منوعات

🍊 الفانتا كما لم تعرفها🍊

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

هل تخيلت يوماً، وأنت تشرب علبة فانتا باردة، أن هذا المشروب الشهير وُلد في قلب ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وفي ظروف قاسية فرضها الحصار والجوع؟ هذه ليست إشاعة ولا قصة من وحي الخيال، بل حكاية تاريخية موثقة عن البقاء والابتكار في زمن الحرب.

في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كانت كوكاكولا مشروباً واسع الانتشار في ألمانيا. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام ١٩٣٩، وفرض الحلفاء حصاراً اقتصادياً خانقاً على ألمانيا النازية، انقطعت الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة، بما في ذلك المكونات السرية اللازمة لصناعة كوكاكولا.

هنا واجهت شركة كوكاكولا في ألمانيا أزمة حقيقية: المصانع مهددة بالإغلاق، والعمال مهددون بفقدان وظائفهم. وكان على رأس الإدارة آنذاك رجل يدعى ماكس كيث (Max Keith)، المدير العام لشركة كوكاكولا في ألمانيا.

بدلاً من إغلاق المصانع، قرر ماكس كيث ابتكار مشروب جديد باستخدام المواد المتاحة محلياً فقط، في وقت كانت فيه البلاد تعاني من نقص حاد في الغذاء والمواد الخام.

اعتمدت الوصفة الأولى على ما تبقى من الصناعات الغذائية، مثل:

مصل اللبن (Whey) الناتج عن صناعة الجبن

ألياف وبقايا التفاح من معاصر الفاكهة (Apple pomace)

سكر البنجر المتوفر محلياً.

كان الناتج مشروباً بسيطاً يختلف كلياً في اللون والطعم عن الفانتا التي نعرفها اليوم، لكنه أدى الغرض الأساسي: إبقاء المصانع تعمل.

وعندما حان وقت اختيار اسم للمشروب الجديد، طلب ماكس كيث من فريقه أن يستخدموا خيالهم. الكلمة الألمانية للخيال هي “Fantasie”، ومن هنا اقترح أحد الموظفين اسم “Fanta”، وهو الاسم الذي اعتمد رسمياً.

حقق المشروب نجاحاً ملحوظاً داخل ألمانيا أثناء الحرب، ليس فقط كمشروب، بل أيضاً كمكون يُستخدم أحياناً في الطهي وتحلية بعض الأطعمة، بسبب النقص الشديد في السكر والمواد الغذائية آنذاك.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، توقفت صناعة النسخة الأصلية من فانتا في ألمانيا عام ١٩٤٩. وفي عام ١٩٥٥، أعادت شركة كوكاكولا إطلاق فانتا من جديد في مدينة نابولي الإيطالية، ولكن بوصفة مختلفة كلياً تعتمد على البرتقال، وهو الطعم الذي انتشر لاحقاً في جميع أنحاء العالم.

وهكذا، تحولت فانتا من مشروب وُلد تحت ضغط الحرب والحصار، إلى واحد من أشهر المشروبات الغازية عالمياً، بينما بقي تاريخها الأول صفحة غامضة لا يعرفها كثيرون.

إنها قصة تذكّرنا بأن حتى أبسط الأشياء التي نستهلكها اليوم قد تحمل وراءها حكايات معقدة من التاريخ، والابتكار، والبقاء.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى