مقالات

نــــفحـــات روح

بقلم: عربية قدوري

لسنا في زمنٍ شحّ فيه الهواء، بل في زمنٍ اختنقت فيه القلوب. فحين تُغلَق منافذ الرحمة، لا يعود للحياة معنى، ويغدو النبض عادةً لا إحساسًا، والصوت صدىً بلا روح.

عالمٌ يُتقن الكلام عن القيم، لكنه يعجز عن ممارستها، حتى صار الخراب مألوفًا، والوجع عابرًا لا يُلتفت إليه. هناك أمٌّ تبكي في صمت. لا لأنها أخطأت في الحب، بل لأنها أحبّت بعدلٍ في زمنٍ يهوى الانحياز. أنجبت قلوبًا مختلفة، ظنّت أن الاختلاف رحمة، فإذا به يُستغلّ وقودًا للفرقة.

هذا لينٌ إذا قسى الواقع، وذاك قاسٍ لأنه لم يتعلّم يومًا معنى اللين، وثالثٌ ضلّ الطريق، فصار حياديًا في موضعٍ لا يقبل الحياد، فاختلط عليه الحق بالباطل حتى ظنّهما وجهين لعملة واحدة. ولم تتشابك المفاهيم عبثًا؛ فالحياة شبكة مترابطة، إذا انقطع خيطٌ واحد اختلّ النسيج كله.

ما من صوابٍ ينجو وحده، ولا من خطأٍ يسقط دون أن يجرّ خلفه أخطاء أخرى. وهكذا تتشقق الروابط، لا بضربةٍ واحدة، بل بتراكم صمتٍ، وتساهلٍ، وتبريرٍ طويل. تبكي الأم لأن الأطماع حين تسكن النفوس تُفسدها، ولأن الزمن إن خلا من القيم يتحوّل إلى شاهد زور. وتبكي أكثر حين ترى الكراهية تُلبَس ثوب الحكمة، والقطيعة تُسوَّق على أنها كرامة.

وحين تطلب الجدة التسامح، فإنها لا تستجدي ضعفًا، بل تُذكّر بحقيقةٍ منسية: أن القلوب لا تُشفى بالانتقام، وأن الجراح لا تلتئم بتعميقها. وهنا، يصبح لزامًا علينا أن نصحو. أن نعود إلى أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بالتغيير. أن نعترف بأننا أخطأنا حين صمتنا عن الظلم، وحين ساوينا بين القسوة والحزم، وبين الخلاف والعداوة. فمراجعة النفس ليست هزيمة، بل أول الانتصار. إن زرع الحقد ليس رأيًا،

بل عدوان على الإنسانية. والتفرقة ليست حرية، بل فوضى أخلاقية. وما كان الإيمان يومًا شعارات تُرفع، بل سلوكًا يُعاش، ورحمةً تُمارَس، وعدلًا يُقدَّم ولو على حساب الأنا. فإن أردنا مستقبلًا لا تبكي فيه الأمهات، ولا تنكسر فيه البيوت من الداخل، فلنبدأ بإحياء ما مات فينا: الضمير. ولنؤمن أن أعظم الإصلاحات تبدأ بقلبٍ قرّر أن يكون جسرًا لا جدارًا، نورًا لا نارًا، ويدًا تجمع لا يدًا تفرّق.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى