مقالات

لا لطمس الذاكرة… لا لبيع التاريخ ( دفاعاً عن نادي الأعظمية الأولمبي)

ضياء الصفار ….

في الوقت الذي تحتاج فيه بغداد إلى استعادة ذاكرتها الحضارية وترميم ما تبقى من معالمها الوطنية، يفاجأ الرأي العام بقرار وزارة الشباب والرياضة القاضي بإزالة النادي الأولمبي (الملكي) في بغداد، المعروف لاحقًا بنادي الأعظمية الرياضي، وإحالته إلى الاستثمار لتحويله إلى مولات ومراكز ترفيهية، في سابقة خطيرة تمس أحد أهم الشواخص التراثية والرياضية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.
إن هذا النادي، الذي افتُتح رسميًا عام 1940، ليس منشأةً اعتيادية، بل أول مجمع رياضي حديث في العراق، ورمزًا من رموز مرحلة الاستقلال الوطني، وصورة حية لسياسة عمرانية وثقافية عبّرت عن هوية العراق الناهضة بعد الانتداب. وقد ارتبط اسمه برواد العمارة العراقية الحديثة، واحتضن في فضائه أعمالًا فنية خالدة، وكان شاهدًا على تداخل الرياضة بالثقافة والفن والوعي الوطني.
وعلى امتداد عقود، لم يكن النادي الأولمبي مجرد ملعب أو بناية، بل مؤسسة اجتماعية ووطنية احتضنت أجيالًا من شباب الأعظمية وبغداد، وأسهمت في تأسيس الحركة الرياضية العراقية، وشاركت في بناء اتحاد كرة القدم العراقي، ورفدت الرياضة الوطنية، ولا سيما المصارعة، بالمواهب والطاقات منذ مراحل مبكرة من العمر. كما شكّل فضاءً جامعًا للفعاليات الثقافية والفنية والعلمية، وأسهم في ترسيخ العلاقات الاجتماعية وتعزيز روح الانتماء والفرح الجماعي.
إن الأعظمية، بتاريخها الوطني والقومي ومواقف أهلها المشهودة في مختلف المراحل، لا تنفصل عن هذا النادي الذي كان وعاءً وطنيًا جامعًا، ورافدًا من روافد الوعي القومي العربي في أوساط الشباب. ومن هنا، فإن المساس به لا يُعد إجراءً إداريًا عاديًا، بل مساسًا مباشرًا بذاكرة المكان ورمزيته ودوره في التاريخ البغدادي والعراقي.
إننا نؤكد أن تحويل هذا الصرح التاريخي إلى مشروع استثماري استهلاكي يمثل اختزالًا خطيرًا لمفهوم التنمية، وتكريساً للفساد المالي والإداري ويكشف غياب رؤية وطنية متكاملة للتعامل مع التراث الرياضي والمعماري الحديث. فالدول الحريصة على مستقبلها تحمي نواديها التاريخية، وتعيد تأهيلها وتفعيلها، ولا تتعامل معها كأراضٍ معروضة للبيع أو الاستثمار العابر.
وبصفتي آخر رئيس للنادي حتى عام 2003، وشاهدًا على دوره الوطني والرياضي والاجتماعي، أحمّل الجهات المعنية كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية عن أي مساس بهذا المعلم. وأدعو إلى:
1.إيقاف قرار الإزالة فورًا.
2.إدراج النادي ضمن لائحة المباني التراثية المحمية.
3.فتح حوار جاد مع المختصين وأهالي الأعظمية والرياضيين القدامى بشأن تأهيله وتطويره بما يحفظ هويته ووظيفته الوطنية.
إن الدفاع عن النادي الأولمبي (الملكي) في بغداد ليس دفاعًا عن مبنى، بل عن الذاكرة، والهوية، وحق الأجيال القادمة في تاريخها. فالتاريخ الذي يُهدم اليوم، لن يُعوّض غداً .

13 / كانون الأول/ 2025

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى