
لم تكن الكتابة يومًا ترفًا، ولا هدوء خاطرٍ عابر؛ بل هي فنّ التوازن حين تميل الكفّة، وملاذٌ يلجأ إليه القلب ليعيد ترتيب العالم في أعماقه. بها يكبح جماح المنافي، ويمنعها من التوغّل في ذاته، لتبقى الكلمات وشمًا خفيًا على سقف الذاكرة،
استيقظت ماريا على صوت الريح تطرق نافذتها الخشبية بعناد. تسلَّلت إلى جسدها رعشة خفيفة… كان هواء الصباح ينساب من بين الفتحات الضيقة، يلفح وجهها ببرودته القارسة، بينما الضوء الخافت المتسرِّب عبر الستائر، يحاول اختراق حاجز الصمت الذي يلفّ الغرفة، كأنه يحمل إليها بين أنفاسه وعداً ببشارة حزينة. لم تكن ماريا بحاجة إلى الضوء لتتذكر أنها وحيدة، فالأحلام وحدها هي من كانت تزورها وتختفي. أستفاقت ماريا في هذا اليوم على حلم غامض أعادها إلى أيام صباها، حينما كانت تجري خلف ظلٍّ لم تلحق به يوماً، همست لنفسها أهذا الحلم استعارة من الماضي أم أنّ الماضي نفسه كان حلماً، لم يجبها سوى صمت الغرفة: “ربما كان الظل هو الجزء الذي انسدل منكِ ذات مساء”. في الحلم، مرَّ بجانبها الظلُّ، حاملاً لها رسالة من ذكرى غضَّة غير ناضجة. لم تدرك ماريا مغزى الرسالة، إلا أنَّها ركضت نحو الظِّل بقلب يخفق بسرعة، بدا الظِّل وكأنه أراد أن يقول شيئًا، لكنَّه تلاشى قبل أن ينبس بحرف. هرولت وراءه بكل ما تبقى لها من نبض، اختفى فجأة، مُخلِّفاً وراءه نظرةً كانت تعرفها جيداً، وبعضاً من رائحة التوت البري وصدى ضحكات ساخرة.
لم تكن الذكريات وحدها تطاردها في أحلامها، بل أيضاً الرائحة العالقة في ذاكرتها، وصدى الضحكات، و تلك النظرة التي سكنتها منذ سنواتها الأولى بالمعهد؛
على هامش الورقة، خطَّت ماريا كلماتها بعناية: “كل شيء، مهما بلغت عظمته لا بدَّ له من نهاية تُفضي إلى ما هو أعظم.” و إن كانت في أعماقها تدرك أنَّ نهايتها لم تكن سوى نقطة تعيدها إلى ذات الدوائر الباهتة، إلى بوابات مغلقة، عصية على العبور.
جلست على ركبتيها، وامسكت بالقلم القديم الذي بهت لونه بمرور الأيام، و كتبت أيضاً:
“بعض الأشخاص يعبرون حياتنا كطيف خاطف، لا نلمحه حتى يتوارى، لكنَّه يترك فينا شيئاً خفياً؛ هم كظلٍّ لم يلامس أطراف أصابعنا و كآلاف الشرانق التي لم يُكتب لها أن تبصر النور.”
و رغم ذلك تمسكت ماريا بذلك الضوء المؤجل و قررت أن تعيش خريفها كغيمة حبلى، تحمل في أحشائها شرانق الحنين، تؤمن أنها ستتحول إلى فراشات يوماً حتى وإن خذلها الواقع، كما خذلتها رسائل الطيف، والبشارات المعلّقة بسقف غرفتها، وعمرها الذي توقّف في منتصف الحلم تماماً.



