شعر و قصص

حارس المقبرة ​الفصل السابع والعشرون: أثرُ النعيمِ ومكافأةُ الإحسانِ

بقلم ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

​لمْ ينتظرْ عادلٌ طويلاً بعدَ لقائِهِ بِروحِ الشاهدِ الصامتِ، فقدْ أدركَ أنَّ تأخيرَ العدلِ هوَ ظلمٌ آخرُ. وفي وضحِ النهارِ، ذهبَ عادلٌ إلى بيتِ فهدٍ، ابنِ الشاهدِ، وبِشجاعتِهِ المعهودةِ، أسلمَهُ رسالةَ الندمِ والعارِ التي حملَها منْ عالمِ البرزخِ. لقدْ صُدِمَ فهدٌ في البدايةِ، ثمَّ انهارَ بالبكاءِ حينَ سمعَ تفاصيلَ صمتِ أبيهِ، ووعدَ عادلًا بأنَّهُ سيذهبُ إلى المحكمةِ لِيُعيدَ الحقَّ إلى صاحبِهِ، مُنقذاً بذلكَ روحَ أبيهِ منْ ثقلِ العارِ.
​عادَ عادلٌ إلى بيتِهِ وجلسَ معَ أهلِهِ وقلبُهُ يملؤُهُ السعادةُ ممّا عملَ منْ خيرٍ، ونامَ بِهدوءٍ ليومٍ جديدٍ وقصةٍ جديدةٍ منْ قصصِ الأرواحِ.
​بشارةُ النعيمِ
​أستفاقَ عادلٌ ومضى إلى عملِهِ في المقبرةِ، وكالعادةِ أخذَ يُسلّمُ على الجميعِ ويلتمسُ القبورَ القريبةَ والبعيدةَ ويرشُّ الماءَ عليها ويزيلُ الحشائشَ عنها كما يفعلُ دائماً، وكأنَّهُ يسقي الأرضَ لِتُنبِتَ لَهُ حكمةً جديدةً. عادَ إلى غرفتِهِ في المقبرةِ مُنهكاً، لكنَّهُ شعرَ بارتياحٍ عميقٍ لِأدائِهِ واجبَهُ. وفي تلكَ الليلةِ، استعدَّ عادلٌ لِرؤيةِ روحٍ جديدةٍ، ربّما تحملُ خطيئةً أُخرى. لكنَّ ما حدثَ كانَ مُختلفاً تماماً هذهِ المرةَ.
​شعرَ عادلٌ بِدِفءٍ خفيفٍ يغمرُ الغرفةَ، وبِأريجٍ منْ زهورِ الياسمينِ تفوحُ في الأرجاءِ. لمْ يكنْ هُناكَ صراخٌ، ولا أنينٌ، ولا ضجيجُ قيودٍ، بلْ سكينةٌ صافيةٌ ظهرتْ معَها روحٌ مُضيئةٌ لرجلٍ مُبتسمٍ في مُقتبلِ العمرِ، يرتدي ثياباً ناصعةَ البياضِ، وكانَ وجهُهُ يشعُّ بالرضا والنعيمِ، وكأنَّهُ ينظرُ إلى عادلٍ بعينِ الشكرِ العميقِ.
​قالَ عادلٌ لِلروحِ المُنعَّمةِ بِنبرةٍ لَمْ يعتدْ عليها في المقبرةِ: “أهلاً بكَ أيُّها الروحُ الطاهرةُ، لِمَ جئتَني؟ فمكانُكَ ليسَ في صحبةِ الأرواحِ المعذَّبةِ، بلْ في النورِ الأبديِّ.”
​الروحُ المُنعَّمةُ (روحُ الصدقةِ الجاريةِ): “جئتُ لِأشكرَكَ أيُّها الحارسُ الأمينُ، وأُسجِّلَ في سجلِّكَ أنَّ الإحسانَ لا يموتُ! لقدْ رأيتُ بعينيْ الروحِ عملَكَ وجهدَكَ في إراحةِ الأرواحِ المُتعبةِ، وحملِكَ لرسائلِ الندمِ إلى الأحياءِ. عملُكَ هذا لا يقدّرهُ البشرُ، ولكنَّنا نراهُ هنا بوضوحٍ، وهوَ في ميزانِكَ ثقيلٌ.”
​حكمةُ كنزِ الصالحينَ
​نظرَتِ الروحُ حولَها، وقالتْ: “أمّا أنا، ففي حياتي كنتُ تاجراً بسيطاً، وكنتُ أُؤمنُ بِأنَّ المالَ الحقيقيَّ هوَ ما نُرسلُهُ أمامنا، لا ما نتركُهُ خلفنا. عندما مرضتُ، لمْ أتركْ كنزاً لأولادي، بلْ تركتُ لهمْ عملاً صالحاً لا ينقطعُ: بناءَ بِئرِ ماءٍ لِأهلِ القريةِ، ووقفَ قطعةِ أرضٍ لِيُبنى عليها جامعٌ صغيرٌ لِصلاةِ المسافرينَ. فكلَّما شربَ عابرٌ منْ ماءِ البئرِ، أوْ صلّى مُسافرٌ في ذلكَ الجامعِ، زادَ نورٌ هنا، وزادَ رضايَ. هذا هوَ الكنزُ الحقيقيُّ يا عادلُ.”
​أكملتِ الروحُ كلامَها بِمحبّةٍ: “لقدْ كنتُ يا عادلُ صديقَ والدِكَ الشيخِ الطيبِ، فقدْ كنتُ أُجالسُهُ كثيراً معَ أهلِ المدينةِ وأستمعُ إلى حِكمِهِ ومواعظِهِ. وممّا ذكرَ والدُكَ الشيخُ كانَ قصصاً منْ سورةِ الكهفِ عنِ الغلامينِ اليتيمينِ وأنَّ أباهُما كانَ صالحاً، فبِصلاحِهِ حفظَ اللهُ لَهُما كنزَهُما، وأنا يا عادلُ تأثرتُ كثيراً بِقصصِ القرآنِ الكريمِ، فقررتُ أنْ أعملَ صالحاً في حياتي وأنْ أُربّيَ أبنائي على العملِ الصالحِ، وهوَ ما أجني ثمارَهُ اليومَ.”
​ابتسمَتِ الروحُ بِهدوءٍ، ثمَّ أشارتْ إلى زاويةٍ في غرفةِ عادلٍ خلفَ سجلِّ دفاترِ القبورِ، وقالتْ: “لقدْ أردتُ أنْ أتركَ لكَ أثراً طيباً مادياً يُعينُكَ في دُنياكَ، جزاءً لِما صنعتَهُ لأرواحِنا منْ راحةٍ. خلفَ ذلكَ السجلِّ، في تلكَ الزاويةِ المظلمةِ، كنزٌ منَ الذهبِ، هوَ ماليَ الذي ورثتُهُ منْ أبيَ وكنتُ مُخصِّصاً إياهُ لِلتصدُّقِ بهِ لِأُنفِقَهُ على مشاريعِ الخيرِ قبلَ موتي. لقدْ ماتَ خادمي قبلَ أنْ يُنفّذَ الأمرَ، والآنَ أصبحَ منْ حقِّكَ، فاستعملْهُ لِنفسِكَ ولِفعلِ الخيرِ. لا تخفْ، فهو رزقٌ أرسلَهُ اللهُ إليكَ بفضلِ إحسانِكَ وإحسانِ والدِكَ.”
​يقينُ عادلٍ
​بعدَ أنْ قالتْ الروحُ كلامَها، زادَ نورُها، وتلاشتْ بِسكينةٍ، مُخلفةً وراءَها رائحةَ العطورِ والياسمينِ، وشعوراً بالسلامِ.
​نهضَ عادلٌ ببطءٍ، مُتأثراً بِهذهِ الحكمةِ التي لمْ يكُنْ يتوقَّعُها. هلْ يُمكنُ أنْ يكونَ في المقبرةِ نعيمٌ كما فيها عذابٌ؟ سارَ إلى الزاويةِ المُشارِ إليها، وبِالفعلِ، وجدَ تحتَ الترابِ حقيبةً جلديةً مليئةً بِقِطعِ الذهبِ القديمةِ. نظرَ عادلٌ إلى الذهبِ، لكنَّ عينيهِ كانتا تُبصرانِ بِمَعنى أعمقَ: لقدْ عادَ إليهِ الإحسانُ على هيئةِ رزقٍ. وتيقّنَ أنَّ مَنْ عملَ صالحاً منْ ذكرٍ أوْ أُنثى وهوَ مُؤمنٌ، فَلَيُحييَنَّهُ اللهُ حياةً طيبةً كما أخبرَ بذلكَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى لِعبادِهِ الصالحينَ.
​لمْ يكتفِ عادلٌ بأخذِ المالِ، بلْ قامَ بالتّبرّعِ بِجزءٍ منهُ على المحتاجينَ وبشّرَ أهلَ المدينةِ في المسجدِ بالخيرِ والسعادةِ في الدارينِ لِكلِّ مَنْ يعملُ منَ الصالحاتِ في حياتِهِ الدنيا، ولِيرتقيَ عادلٌ إلى مراتبَ عُليا منَ الخيرِ والحكمةِ كما كانَ والدُهُ.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى