
يا لها من ذكرى رائعة لمدينة بغداد! تستحق “مدينة السلام” و”الزوراء” و”المدورة” ان يخلد ذكراها العطرة وتاريخها المجيد.
بغداد: ١٢٦٣ عامًا من المجد ومنارة الشرق
في التاسع عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام تحل ذكرى ميلاد سيدة المدن والعواصم بغداد التي تكمل اليوم عامها الـ ١٢٦٣. هذا التاريخ ليس مجرد رقم يُضاف إلى تقويم بل هو سجل حافل بالازدهار ومخطوطة ذهبية تحكي عن الحضارة وفضاء واسع احتضن الفكر والعلوم على مر العصور. هي المدينة التي فاقت بشهرتها وعمقها التاريخي أقدم العواصم العالمية، وصدق من وصفها بـ “درة الشرق”.
لقد وُلدت “مدينة السلام” في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور عام ١٤٥هـ (٧٦٢م) على ضفاف دجلة الخير. لم تكن بغداد مجرد بناء بل كانت رؤية. بُنيت على شكل دائري متقن (المدينة المدوّرة) لتكون نموذجًا فريدًا في التخطيط العمراني قلبها قصر الخلافة ومحورها جامعها الكبير وكأنها ترمز منذ اليوم الأول إلى أن السلطة والروحانية هما قطبا الوجود فيها. هذه الدائرة لم تكن حماية لجدرانها فحسب …..بل كانت دائرة للعلم والمعارف جاذبة للعلماء والفلاسفة والأدباء من كل حدب وصوب.
خلال “العصر الذهبي”أصبحت بغداد عاصمة الحضارة و العالم الفكرية. فيها شُيد بيت الحكمة الذي لم يكن مكتبة فحسب بل مؤسسة جامعية متقدمة على زمانها للترجمة والبحث العلمي كما حولت كنوز الفلسفة والطب والرياضيات اليونانية والفارسية والهندية إلى اللغة العربية لتضيء طريق أوروبا المعتمة في عصورها المظلمة. إنها المدينة التي شهدت ولادة اعظم العلوم والعلماء مثل الخوارزميات وعلم الجبر وتطور علم الفلك وتأسيس أول المستشفيات المتخصصة الحديثة. كان البغداديون يتحدثون عن البيمارستانات والمكتبات في وقت كانت فيه عواصم كبرى أخرى لا تزال في طور النشأة !!!تفصلها عنها قرون من الزمن.
وكما قيل: “من لم يرى بغداد فإنه لم يرى الدنيا” لأن بغداد كانت قلب الدنيا النابض وكانت مركز التجارة العالمية ومفترق طرق الحرير البرية والبحرية فيها تمتزج ألوان الثقافات وتُصهر الخبرات. حتى في أحلك أوقاتها وأصعبها … عندما استهدفتها الغزوات والكوارث أثبتت بغداد أنها تملك روح طائر العنقاء الأسطوري. هي قد تكبو كما حصل بعد احتلالها …..ولكنها لابد وان تنهض قد تخسر ولكنها تعود للتحليق من بين الرماد أقوى وأكثر عراقة حاملة معها جروحها بأوسمة شرف على صدر التاريخ.
لقد كانت بغداد وبفضل اهلها ستعود ملهمة الشعراء والعشاق. ذكرها الشعراء الجواهري والسياب والبياتي في قصائدهم وعبق بتاريخها وفلكلورها في حكايات ألف ليلة وليلة. هي المدينة التي تمتلك القدرة العجيبة على مسح دموعها وتصفيف شعرها المنثور لتبدو دائمًا في أبهى حلة وإطلالة بهية متطلعة إلى غد قريب يعيد لها أمجاد ماضيها.
نحن ابناؤها لا نحتفل في ذكرى ميلادها بعمر مبنى أو سور بل نحتفل بروح أمة وبمنارة ظلت تشع علمًا وثقافة إلى أن تم تدنيسها من قبل الاحتلال في ٢٠٠٣/٤/٩ وستبقى مدينة الأوابد التي تحتفظ بلقبها القديم: عاصمة الدنيا.

