شعر و قصص

كنا فُسّاقًا بشرف… فصرنا مؤمنين بلا أخلاق

بقلم: د. رياض الدليمي

كنا نرتكب المعصية بضميرٍ حيّ، واليوم نتعبّد بنفاقٍ ميت.
كنا نشرب الخمر، لكننا نحترم الخبز والماء.
كنا نغني في المسارح، لكننا لا نبيع الوطن على المنابر.
كنا نخطئ بشجاعة، أما اليوم فنكذب بخشوع.

في زمنٍ مضى، كانت الحانات تزدحم والمساجد قليلة،
لكن القلوب عامرة، والضمائر حية، والأرض خضراء.
كان الحاكم ظالماً، لكنه كان يخاف من كلمة الحق.
أما اليوم، فكثُر الحاكمون وقلّ الحياء،
وأصبح الوطن مقسّمًا بين طوائف وأحزابٍ تتناحر على الخراب ذاته.

صرنا نرفع آلاف الرايات وننتمي لمئات الأحزاب،
لكننا فقدنا الوطن الواحد الذي كان يسكننا جميعًا.
كبرت اللحى وصغرت العقول،
ارتفعت المآذن وسقطت القيم،
زادت الصلوات وقلّ الصدق،
كثرت الفتاوى وقلّ الضمير.
حتى الإيمان أصبح شعارًا،
والوطن صار سوقًا تُباع فيه الكرامة بالتقسيط.

صرنا شعبًا يصرخ “يا لثارات الحسين”،
لكنه لا يملك شجاعة الحسين.
نلعن الظالم في المجالس،
ونبايعه في الانتخابات.
نبكي على الحسين لأن السيف ذبحه،
ولا نبكي على وطنٍ ذبحناه بأيدينا.
نحفظ خطب الثورة، ونعيش حياة العبيد.

كانت أنهارنا تمتلئ بالماء،
واليوم تفيض بالدمع والدم.
كانت دجلة والفرات ترويان العراق بكامل حصتهما من الماء،
وكانت اللعنة تطال من يجرؤ على أن ينقص منهما قطرة.
أما اليوم، فدجلة يكاد أن يجف،
والفرات يتنفس بصعوبة،
يا لهذا الوهن، يا لهذا الخذلان!
جفّ الماء لأن العروق التي كانت تدافع عنه قد يَبِست،
وجفّت الروح لأننا لم نعد نحسّ بالعطش إلا حين نموت.

لقد تحوّل الإيمان إلى تجارة،
والوطن إلى مزاد،
والإنسان إلى رقمٍ في طابور الحاجة.
تحولت المرجعية إلى سلطة،
والسلطة إلى مسرحٍ للسرقة المقدّسة.

العراق لا ينهار لأن أعداءه أقوياء،
بل لأنه امتلأ بأبنائه الضعفاء.
لقد مات الوطن حين خاف الشريف من الكلمة،
وصمت الناس عن حفنة لصوصٍ سرقوا حتى الدعاء.
ومتى ما عاد الصوت الحرّ،
سيعود معه النهر، والضمير، والوطن.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى