شعر و قصص

حارس المقبرة ​الفصل الخامس… عشر لعنةُ الميراث

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

​بعدَ أنْ حملَ عادلٌ أمانةَ “صيحةِ الأطفالِ”، ازدادَ إيماناً بأنَّ المقبرةَ ليستْ مجردَ أرضٍ للموتى، بلْ هيَ مدرسةٌ مفتوحةٌ لكلِّ منْ يبحثُ عنِ الحكمةِ. لقدْ كانَ يمضي كلَّ يومٍ في عملِهِ المعتادِ، ولكنْ بقلبٍ وعينينِ أكثرَ يقظةً، مترقباً أيَّ رسالةٍ جديدةٍ قدْ تحملُها لهُ الأيامُ.

​وفي ليلةٍ باردةٍ، بينما كانَ القمرُ ينسجُ خيوطَهُ الفضيةَ على قبورِ المدينةِ، وعادلٌ يعملُ بجدٍّ واجتهادٍ، لمحَ نورينِ خافتَينِ يسطعانِ منْ قبرينِ متجاورينِ، ولكنهما كانا متباعدينِ عنْ بعضِهما كعدوينِ. اقتربَ عادلٌ بحذرٍ، فرأى روحَ رجلٍ وامرأةٍ يبدوانِ في غايةِ الحزنِ، يقفانِ وينظرانِ إلى قبرِ بعضِهما البعضِ بنظرةِ أسىً عميقٍ.

​سلّمَ عادلٌ عليهما، وسألهما: “منْ أنتما، وهلْ أنتما منْ أهلِ هذهِ الديار؟ وما خطبُكما؟”

​تحدثتْ المرأةُ بصوتٍ حزينٍ: “نعمْ يا شيخَنا، نحنُ منْ أهلِ هذهِ الديارِ. أنا وأخي، كنا نعيشُ في بيتِ أبينا معَ عائلاتِنا، يجمعُنا الحبُّ والمودةُ. ولكنْ بعدَ وفاةِ والدِنا، نشبَ بيننا خلافٌ على الميراثِ، وتحولتْ بيوتُنا إلى ساحةِ حربٍ باردةٍ. لمْ نعدْ نتحدثُ، ولا حتى نلتقي.” ثمَّ أضافتْ وهيَ تبكي: “الخلافُ لمْ يقتصرْ علينا فقط، بلْ امتدَّ إلى أبنائِنا الذينَ ورثوا الكراهيةَ فيما بينهمْ، وأصبحوا أعداءً.”

​أكملَ الرجلُ، وعيناهُ تفيضانِ ندماً: “استمرتِ القطيعةُ بيننا لسنواتٍ طويلةٍ. كنا نلتقي في الشارعِ وفي المناسباتِ السعيدةِ والحزينةِ، ولكنْ نُديرُ وجوهَنا ولا نسلّمُ على بعضِنا. لقدْ أعمتِ الأموالُ عيونَنا، وصرنا أسرى جشعِنا في الأموالِ والذهبِ وغيرها. وفي يومٍ، مرضتْ أختي، ولمْ أزرْها. ماتتْ، ولمْ أصلِّ عليها. وبعدَ شهرٍ فقط، لحقتُ بها إلى هذهِ الدارِ، لكنَّ الندمَ أثقلَ روحي. لقدْ كسبتُ المالَ، ولكنْ خسرتُ أختي، وخسرتُ نفسي. وتركنا حرباً دائرةً بينَ أبنائِنا لا تنتهي بسببِ خلافاتِنا، ومنْ أجلِ ماذا؟ منْ أجلِ حفنةٍ منَ المالِ!”

​أضافتِ المرأةُ، وهيَ تُشيرُ إلى القبرينِ: “حتى هنا، لمْ نستطعِ القربَ. أرواحُنا تتوقُ إلى المصالحةِ، لكنَّ الغيظَ الذي ماتَ فينا، منعَنا منْ ذلكَ في الدنيا، وهوَ يحجبُ عنّا الراحةَ في الآخرةِ.”

​انفطرَ قلبُ عادلٍ وهوَ يستمعُ لقصتِهما المأساويةِ، وسألَ: “كيفَ لي أنْ أكونَ عوناً لكما؟”

​قالَ الأخوانِ بصوتٍ موحدٍ: “يا عادلُ، احملْ رسالتَنا للأحياءِ. علّمْ أبناءَكَ، وعلّمْ الناسَ أنَّ العلاقاتِ الأسريةَ هيَ أغلى الميراثِ. وأنَّ الأمانةَ الحقيقيةَ ليستْ في توزيعِ الذهبِ، بلْ في توزيعِ الحبِّ. أخبرهمْ أنْ يغفروا قبلَ أنْ يُغادروا، وأنَّ لحظةً منَ التسامحِ تُعادلُ عمراً منَ الندمِ. إنَّ الميراثَ الحقيقيَّ الذي يجبُ أنْ يورثوهُ لأبنائِهمْ هوَ الحبُّ، لا الكراهيةُ. أخبرْ أبناءَنا أنْ يتصالحوا ويعيدوا المحبةَ والمودةَ فيما بينهمْ، وأنْ يتعظوا بنا. خسرنا المالَ وخسرنا بعضَنا، فكُنْ لهمْ يا شيخَنا ناصحاً أميناً.”

​أجابَ عادلٌ، والحزنُ يملأُ عينيهِ: “لكما ذلكَ. غفرَ اللهُ لكما ورحمَ روحَكما.”

​اختفتِ الروحانِ بسلامٍ، تاركتَينِ وراءَهما شعوراً عميقاً بالألمِ، ولكنْ أيضاً بحكمةٍ لا تُقدَّرُ بثمنٍ. عادَ عادلٌ إلى بيتهِ، هذهِ المرةَ، لمْ يكنْ يحملُ ذهباً، بلْ كانَ يحملُ رسالةً ثقيلةً: أنَّ كنوزَ الآخرةِ الحقيقيةِ تُقاسُ بما نتركهُ منْ حبٍّ في قلوبِ منْ حولِنا

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى