قطارُ الأَحْزَانِ..الفصل الثاني: قفزة نحو الحياة
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عمان - مسقط

يَتَحَرَّكُ القِطَارُ بِبُطْءٍ عَلَى سِكَّةٍ مُتَهَالِكَةٍ لِيَقْطَعَ طَرِيقَ الظَّلَامِ، وَالرُّكَّابُ فِي صَمْتٍ وَخُشُوعٍ كَأَنَّهُمْ فِي جِنَازَةٍ طَوِيلَةٍ. وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، يَتَكَلَّمُ السَّائِقُ عَبْرَ مُكَبِّرِ الصَّوْتِ: “لَقَدْ أَوْشَكْنَا عَلَى الوُصُولِ لِوَجْهَتِنَا، وَهَذِهِ فُرْصَتُكُمُ الأَخِيرَةُ لِلنُّزُولِ!” اسْتَغْرَبَ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى المَتْنِ. وَفَجْأَةً تُفْتَحُ النَّوَافِذُ، فَإِذَا بِهِمْ يَرَوْنَ قَوْسَ قُزَحٍ بِأَلْوَانِهِ الزَّاهِيَةِ يَتَشَكَّلُ أَمَامَهُمْ كَبَوَّابَةٍ لِعَالَمٍ آخَرَ. يَسْطَعُ نُورٌ جَمِيلٌ، فَيَجِدُونَ أَنْفُسَهُمْ بَيْنَ مُرُوجٍ خَضْرَاءَ وَأَنْهَارٍ مُتَدَفِّقَةٍ. وَلَاحَظُوا أُنَاساً كَثِيرِينَ عَلَى جَوَانِبِ القِطَارِ، يَلُوحُونَ بِأَيْدِيهِمْ بِشَغَفٍ وَيُنَادُونَ بِأَصْوَاتٍ مِلْؤُهَا الأَمَلُ: “تَعَالَوْا مَعَنَا!” هُنَا، عَلِمَ سَعِيدٌ وَمَنْ مَعَهُ أَنَّ الحَيَاةَ لَا تَنْتَهِي، وَأَنَّ فُرَصَ النَّجَاةِ بَاقِيَةٌ.
هُنَا، أَيْقَنَ سَعِيدٌ أَنَّ القَفْزَ مِنْ القِطَارِ هُوَ طَوْقُ النَّجَاةِ الحَقِيقِيِّ. وَلَكِنَّ القَفْزَةَ لَيْسَتْ سَهْلَةً؛ فَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ وَعَزِيمَةٍ وَشَجَاعَةٍ لِتَكْسِرَ قُيُودَ اليَأْسِ. فَقَفَزَ سَعِيدٌ، وَتَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، وَمِنْ خَلْفِهِمَا مَازِنٌ الصَّغِيرُ. وَمَا إِنْ لَامَسَتْ أَجْسَادُهُمْ الأَرْضَ الخَضْرَاءَ، حَتَّى ابْتَعَدَ القِطَارُ عَنْهُمْ إِلَى أَنْ اخْتَفَى فِي الأُفُقِ.
وَجَدُوا أُنَاساً مَدُّوا لَهُمْ أَيْدِيَهُمْ وَرَحَّبُوا بِهِمْ بِكَلِمَاتٍ تُلْهِمُ الأَمَلَ. وَصَلُوا إِلَى بَيْتٍ مِنْ رُخَامٍ أَبْيَضَ نَاصِعٍ، سَقْفُهُ عَالٍ، وَقُبَّتُهُ تَلْمَعُ كَأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى السَّمَاءِ. دَخَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ بَهِيُّ الطَّلْعَةِ، مَلَامِحُهُ تَمْلَؤُهَا الرَّحْمَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ. أَجْلَسَهُمْ وَقَدَّمَ لَهُمْ أَطْيَبَ مَا ذَاقُوهُ: تَمْراً طَيِّباً وَلَبَناً نَاصِعَ البَيَاضِ. أَكَلُوا وَشَرِبُوا، ثُمَّ سَأَلَ الرَّجُلُ: “مَنْ أَنْتُمْ؟” فَقَالُوا: “لَا نَدْرِي.” فَقَالَ لَهُمْ: “أَنَا أَعْلَمُ مَنْ أَنْتُمْ! أَنْتُمْ مِمَّنْ أَحَبَّهُمُ اللهُ.” وَتَلَا عَلَيْهِمْ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)}.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: “عُودُوا إِلَى حَيَاتِكُمْ، وَاطْرُقُوا بَابَ رَبِّكُمْ، فَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ الرَّحِيمُ. وَاعْلَمُوا أَنَّ بَعْدَ العُسْرِ يُسْراً. لَا تَقْنَطُوا، وَاسْتَعِينُوا عَلَى الشَّدَائِدِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ، فَفِيهَا الفَوزُ وَالنَّجَاحُ وَالفَلَاحُ.” وَمَا إِنْ أَنْهَى الشَّيْخُ كَلَامَهُ، إِلَّا وَهُمْ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى حَيْثُ كَانُوا فِي مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ، كَأَنَّمَا كَانَتْ رِحْلَتُهُمْ كُلُّهَا حُلْماً. عادوا بِقُلُوبٍ جَدِيدَةٍ وَنُفُوسٍ مُطْمَئِنَّةٍ.
عَادَ سَعِيدٌ إِلَى بَيْتِهِ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، أَتَاهُ قَرَارُ قَبُولٍ فِي وَظِيفَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا يَوْماً. أَمَّا سُلَيْمَانُ، فَقَدِ اسْتُعِيدَ لِعَمَلِهِ وَتَمَكَّنَ مِنْ تَسْدِيدِ دُيُونِهِ. وَأَخِيراً، عَادَ مَازِنٌ الصَّغِيرُ إِلَى حَيَاةٍ سَعِيدَةٍ بَيْنَ أَحْضَانِ مَنْ يُحِبُّونَهُ وَيُقَدِّرُونَهُ، بَعِيداً عَنِ التَّنَمُّرِ وَسُوءِ المُعَامَلَةِ. وَهَكَذَا، بَدَأُوا جَمِيعاً حَيَاةً جَدِيدَةً، لَا تَمْلَؤُهَا السَّعَادَةُ وَالأَمَلُ فَقَطْ، بَلْ أَيْضاً يَقِينٌ بِأَنَّ بَعْدَ كُلِّ حُزْنٍ فَرَحاً، وَبَعْدَ كُلِّ عُسْرٍ يُسْراً.
تمت…


