الظاهر بيبرس.. تحتفل مصر وكازخستان بالسلطان المملوكي والبطل المشترك لمرور 800 عاما على ميلاده

شهور ويحين ميلاد قاهر الفرنجة والمغول .. من عبد يُباع ويُسترد لعيب في عينه إلى أحد أعظم السلاطين والأبطال المخلد في التاريخ والدراما لدى العرب وتتجاهله دراما الكازاخ والتتار

 

الآن

ولد في عام 1228م في بلاد القبجاق التي تقع حاليا في كازاخستان وروسيا، واسم بيبرس هو اسم تركي مؤلف من كلمتين وهما “باي” (بالتركية: Bey)‏ وتعني أمير و”پارس” (بالتركية: Pars)‏ وتعني فهد.

خطف في صغره وبيع في أسواق حماة فاشتراه حاكم حماه المنصور محمد الأيوبي ولكنه أرجعه لعيب خلقي كان في إحدى عينيه (مياه بيضاء)، فاشتراه الأمير علاء الدين أيدكين البندقداري، ولكن بعد فترة تمت مصادرة أملاكه، فانتقل بيبرس إلى تبعية السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة.


صفاته.


كان بيبرس ضخماً طويلاً ذا شخصية قوية، وصوته جهوري وعيناه زرقاوان، ويوجد بإحدى عينيه نقطة بيضاء


ظهوره في معركة المنصورة


تعتبر معركة المنصورة هي البداية الحقيقية لبيبرس، حيث كان سابقا من القادة الصغار، ولكن خطته التي وضعها في هذه المعركة كانت سببا لبزوغ نجمه وترقيته

ففي 8 فبراير 1250م بدأ الفرنجة بالهجوم على المنصورة بعد أن عرفوا منافذ يصلوا بها للجيش الأيوبي، واستطاعوا أن يقتلوا قائد الجيش الأيوبي فخر الدين يوسف الدمشقي، وكانت هذه لحظة فارقة في التاريخ، حيث لأول مرة يجد المماليك في الجيش الأيوبي أنفسهم بدون قائد يقودهم، فرفض المماليك الهرب، وتولوا قيادة المعركة بقيادة فارس الدين أقطاي الذي أصبح القائد العام للجيش.

ووضع بيبرس البندقداري خطة تقضي باستدراج القوات الفرنجية المهاجمة الى داخل مدينة المنصورة، فأمر بيبرس بفتح باب من أبواب المنصورة وبتأهب المدافعين من الجنود والعوام داخل المدينة مع الالتزام بالسكون التام. فبلعت القوات الفرنجية الطعم، فظن فرسانها أن المدينة قد خوت من الجنود والسكان كما حدث من قبل في دمياط، فاندفعوا إلى داخل المدينة بهدف الوصول إلى قصر السلطان، فخرج عليهم بغتة المماليك البحرية والجمدارية يصيحون كالرعد القاصف وأخذوهم بالسيوف من كل جانب ومعهم العربان والعوام والفلاحين يرمونهم بالرماح والمقاليع والحجارة، وسد المدافعون طرق العودة بالخشب والمتاريس فصعب على الفرنجة الفرار، وأدركوا أنهم قد سقطوا في كمين محكم داخل أزقة المدينة الضيقة وأنهم متورطون في معركة حياة أو موت، فألقى بعضهم بأنفسهم في النيل وابتلعتهم المياه، وادت مصيدة بيبرس إلى هزيمة الفرنجة في النهاية


إنقسام المماليك


بعد مقتل السلطان الايوبي توران شاه وتولي شجر الدر ثم عز الدين أيبك، قرر أيبك عمل جيش خاص به واسماه “المماليك المعزية”، وضم له عدد من كبار القادة ومنهم سيف الدين قطز، فاستشعر “المماليك الصالحية” بقيادة فارس الدين أقطاي الخطر، وبدأت تنتشر أخبار عن عزم أقطاي أن يأخذ الحكم، فقام قطز بقتل أقطاي، ومطاردة المماليك الصالحية، فهرب قادة المماليك الصالحية إلى بلاد الشام والاناضول، وكان من الهاربين بيبرس وقلاوون وكان ذلك في عام 1254م.


الصلح بين بيبرس وقطز


بعد سنوات من تنقل بيبرس بين الولاء للناصر يوسف في دمشق والمغيث عمر في الكرك، وحكمه لنابلس ثم حكمه لغزة، أصيبت بلاد العرب بالإنهيار نتيجة تساقط مدنها أمام الطوفان المغولي، وأصبح سقوط فلسطين التي يقيم فيها بيبرس مسألة وقت.

وأما في مصر فبدأ سلطانها الجديد سيف الدين قطز بالإستعداد لمواجهة المغول، فراسل بيبرس في عام 1259م، طالبا منه أن يعود برفقة المماليك الصالحية لتكوين جيش قوي بتوحيده مع المماليك المعزية لمواجهة المغول، فعاد بيبرس، وحصل الصلح بينهما، ووعد قطز بيبرس بأن يوليه إمارة حلب في حال إنتصاره على المغول وإسترداده لبلاد الشام.


معركة عين جالوت


قبل المعركة إقترح أغلب قادة المماليك أن ينتظروا جيش المغول إلى أن يصل لمصر، ولكن قطز خالفهم وأمر بالذهاب إلى فلسطين، وإستفاد قطز من معرفة بيبرس بطبيعة أرض فلسطين، ليحدد بيبرس الأرض المناسبة للمعركة.

فكانت المعركة في سهل عين جالوت شمال فلسطين في 1260/09/03م، وقد تم خداع كتبغا قائد جيش المغول بأن ظهر أمامه عدد قليل من جيش المماليك بقيادة بيبرس، فظن كتبغا أنه كامل الجيش فهاجمه، وبعد أن وقع في الفخ، إنقض عليهم باقي جيش المماليك الذي كان مختفي خلف التلال، وحاصروا المغول من كل الجهات.

ولكن المغول واجهوهم بقوة وبسالة، وتأزم الموقف عند المماليك، عندها رمى قطز خوذته وأخذ يصرخ «واإسلاماه… واإسلاماه»، واحتدم القتال في سهل عين جالوت، وكان فيه أن صوّب أحد التتار سهمه نحو قطز، فأخطأه وأصاب فرسه وقتل الفرس، واستمر القتال وقطز في أرض المعركة يقاتل، وبدأت الكفة تميل لصالح المماليك، وارتد الضغط على التتار، وتقدم أمير من أمراء المماليك واسمه جمال الدين آقوش الشمسي واخترق صفوف التتار حتى وصل لكتبغا، ودار بينها قتال فتمكن آقوش من كتبغا وقتله، وبهذا إنتصر المماليك


مقتل قطز وتولي بيبرس للحكم


بعد الإنتصار في عين جالوت قام قطز بملاحقة المغول وتحرير الشام من إحتلالهم فحرر دمشق وفيها بايع الخليفة العباسي أحمد الحاكم، ثم قام بتحرير حمص ثم حلب، وفي حلب أعلن قطز توحيد مصر والشام تحت قيادته.

وفي أثناء عودة قطز إلى مصر عادت الخلافات والشكوك بين المماليك المعزية والصالحية، وأصبح كل طرف يرتاب من الآخر، وخاصة بعد أن قام قطز بعدم تعيين بيبرس واليا على حلب كما وعده، فاتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتله.

وبينما كان قطز متواجد في رحلة صيد في منطقة الصالحية شمال فلسطين، أتاه مجموعة من المماليك واقتربوا منه وانحنوا لكي يقبلوا يده، وعندما مد قطز يده أخرجوا السيوف وقاموا بقتله في 1260/10/24 م، وأصبح بيبرس البندقداري هو السلطان الجديد.


إحياء الخلافة العباسية


بعد سنوات من انتهاء الخلافة العباسية في عام 1258م، أصبحت سلطة المماليك مهددة بالزوال، حيث قام عدد من كبار العلماء بمبايعة السلطان الحفصي في تونس، وآخرين قاموا بمحاولة إحياء الخلافة العبيدية.

فوجد بيبرس بأن هناك فراغ هرمي من الناحية الدينية والروحية والسياسية، فقام بمبايعة الأمير العباسي أحمد المستنصر في عام 1261م، ولكن الخليفة المستنصر قتل بعد أشهر في معركة مع المغول، فقام بيبرس بمبايعة الأمير العباسي أحمد الحاكم، وسك أسمه على العملة وأتخذ من إسم الدولة العباسية إسما رسميا للدولة.


الحرب مع الفرنجة


بدأ بيبرس حربه بمهاجمته إقليم الجليل، فهاجم الناصرة ثم شن هجوما مفاجئا على عكا وحاول اقتحام أبوابها في (جمادى الآخرة 661 هـ/ أبريل 1263 م) ولكنه لم يتمكن لحصانتها وكثرة من بها من الفرنجة، فتركها ورحل إلى بيت المقدس.

ثم هاجم بالشهر التالي قيسارية وعثليث. وفي عام 663 هـ/1265 م ثم فتح قيسارية ثم تقدم صوب يافا فدخلها بغير قتال، وذلك لأن الفرنجة فروا منها هاربين ثم اتجه صوب أرسوف وضرب عليها حصارا شديدا استمر 40 يوما، استسلمت بعده المدينة، ومن أرسوف اتجه مرة أخرى صوب عكا، غير أنه لم يستطع أن يحرر المدينة نظرا لمساندة هيو الثالث ملك قبرص وامداده بإسطول كبير شمل كل قوة قبرص البحرية. لذا تركها بيبرس وعاد إلى مصر، ليعاود الكرة على بعد انتهاء الشتاء، وبدأ عمله أوائل صيف 1266 م/664 هـ. حيث بدأ بمدينة صفد (مقر الداوية) وتمكن من تحريرها 17 شوال 664 هـ / يوليو 1266 م ثم حرر هونين وتبين والرملة، وسقطت يبنة دون قتال واستولى على القليعة وعرقة، وبذلك تمت السيطرة على الطريق المؤدي إلى طرابلس من البقاع، ونتيجة لتلك الانتصارات ضعفت معنويات الفرنجة في الشام وسارع البعض إليه يطلبون وده ورضاه مقابل تنازلهم عن نصف غلات المناطق التي تحت سيطرتهم.


الحرب مع أرمينيا الصغرى


قرر بيبرس شن حرب ضد أرمينيا الصغرى، وذلك لأن ملكها هيثوم بن قسطنطين بن باساك تحالف مع المغول، فحاول هيتوم اجراء مفاوضات مع بيبرس وترددت السفارات بينهما، حيث طالب السلطان الظاهر من هيتوم بأن يدخل في طاعته ويؤدي إليه الجزية، إضافة إلى رغبته في الوصول إلى أسواق الخيل والبغال والحنطة والشعير والحديد، أي فتح باب التبادل التجاري بين الشام وبلاد الارمن، غير أن ملك الأرمن لم يتيسر له تلبية طلب سلطان مصر لخوفه من المغول، وعندما لم تؤدي تلك المفاوضات إلى نتيجة، اتبع هيتوم سياسة جديدة ضد المماليك في مصر، وهي فرض حصار اقتصادي عليهم، وذلك بمنع تصدير الأخشاب والحديد من آسيا الصغرى إليهم.

واستغل بيبرس سفر هيتوم إلى بلاد فارس عام 1266م، فزحف جيشه بقيادة المنصور قلاوون والملك المنصور الأيوبي صاحب حماة فاجتازوا جبل أمانوس، فبادر الأرمن إلى اعتراض طريق الجيش المصري والشامي إثناء هبوطهم إلى سهل قليقية فدارت معركة رهيبة في 21 ذو القعدة 664 هـ / 24 أغسطس آب 1266 م، فأنزل المماليك بالأرمن هزيمة منكرة عند حصن دربساك، وقتل فيها القائد توروس وأسر القائد ليو.

ثم أعقبوا نصرهم هذا بهجوم كاسح على المدن الرئيسية في قيليقية واستولوا على كل ما كان بها، واستولوا على قلعة للداوية، فأحرقوها بما فيها من الحواصل، ثم دخلوا سيس عاصمة المملكة فأخربوها، وأقاموا في البلاد عشرين يوما يحرقون ويقتلون ويأسرون. ثم توجه الأمير قلاوون بعساكره إلى المصيصة وأضنة وأياس وطرسوس، فقتلوا وأسروا وهدموا عدة قلاع. وفي نهاية سبتمبر عاد الجيش المنتصر إلى حلب ومعه كما قيل أربعين ألف أسير ومن الغنائم مالا يحصى.


تحرير إمارة أنطاكيا


بدأت حملة بيبرس لاسترداد أنطاكية من الفرنجة، فوصل بجيوشه إليها يوم الثلاثاء 1 رمضان 666 هـ/ 15 مايو 1268 م، وهناك قسم جيوشه إلى ثلاث فرق وزعها حول المدينة ليحكم حصارها ويمنع وصول المدد إليها من البر والبحر. ولم يستطع الفرنجة المدافعون من المقاومة، بسبب شدة الحصار وقوة المهاجمين، ففتحت المدينة وتمكنت جيوش بيبرس من دخولها وغنموا غنائم كبيرة لا تعد ولا تحصى من الأموال والأسرى. وقد كان سقوط تلك الإمارة الفرنجية حدثا مهما، فقد انقطعت صلة الفرنجة في طرابلس وعكا بأرمينية الصغرى، وبذلك غدت مصالح الفرنجة في الشام مهددة بشكل مباشر ولم يبق امامهم سوى مملكة قبرص والتي توحدت مع مملكة طرابلس وعكا لأنهم انضموا إلى تاج الملك هيو الثالث، والذي باشر حكمه بعقد هدنة مع السلطان بيبرس إلى حين وصول المساعدات من أوروبا. وقد وافق بيبرس على الهدنة لكي يعطي قواته قسطا من الراحة، خاصة وأن فصل الشتاء قادم، ويتطلب منه العودة إلى مصر ليدير بعضا من شؤونها الداخلية.


معركة البستان


هي معركة وقعت في 4 ذو القعدة 675 هـ/ 15 أبريل 1277 في مدينة البستان التي تقع في تركيا حاليا، وكانت بين المماليك بقيادة الظاهر بيبرس من جهة وبين إتحاد المغول والسلاجقة وجورجيا بقيادة القائد المغولي طودان من جهة أخرى، وانتهت بهزيمة إتحاد جيوش المغول والسلاجقة وجورجيا وقد قتل القائد المغولي طودان، ودخل السلطان بيبرس مدينة قيصرية عاصمة السلاجقة وجلس على عرش السلطنة وتبارى امراء السلاجقة في تقديم الولاء والطاعة لسلطان مصر وسوريا.


أعماله وإنجازاته الداخلية


1) قام بتجديد مسجد الحرم الابراهيمي في الخليل.
2) قام بتجديد ماقد تهدم من قبة الصخرة.
3) جدد قبة السلسلة في القدس وزخرفها
4) أنشأ في القدس خانا للسبيل نقل بابه من دهليز كان للخلفاء العبيديين بالقاهرة.
5) بنى في القدس دارا للعدل للفصل في القضايا والنظر في المظالم أيضا
6) قام بتوسعة مسجد الصحابي خالد ابن الوليد في مدينة حمص.
7) قام ببناء المدرسة الظاهرية في دمشق
8) قام بتجديد الجامع الأزهر فأعاد للأزهر رونقه وقام بحملات من الترميم والتجميل حتى عاد له جماله ومكانته مرة أخرى، وأعاد خطبة الجمعة والدراسة إلى الجامع الأزهر بعد أن هجر طويلا
9) أنشأ مسجد الظاهر بيبرس في القاهرة ونسبت المنطقة حوله له باسم حي الظاهر.
10) أنشأ مسجد الظاهر بيبرس في مدينة قليوب لا يزال موجوداً حتى الآن ويسمى الميدان الموجود فيه “ميدان بيبرس”.
11) عمل بيبرس على إنشاء الجسور والقناطر والأسوار، وحفر الترع والخلجان.
12) بنى مباني لتنظيم البريد وكانت مراكز البريد في دمشق وغزة والقاهرة وخصص لها الخيل والرجال.
13) قام بزيادة تحصين قلعة الكرك.


أسرته


وأما زوجاته فهن بيبار ابنة الامير سيف الدين نوغاي التتري، وتزوج أيضا من ابنة الأمير سيف الدين جيراي التتري، وأيضا من ابنة الأمير سيف الدين تمجي، وأيضا الأميرة التوميش خاتون ابنة بركة خان.

وأما أبنائه فهم السلطان بركة والسلطان سلاميش والأمير خضر، وكان له سبع بنات.


وفاته


توفي السلطان الظاهر بيبرس في دمشق في 1 تموز 1277م عن عمر يناهز 49 عاما، وأما سبب وفاته فمختلف فيه وهنالك روايات كثيرة ومنها:
1) أنه أراد ان يسمم القاهر الايوبي فشرب الكأس الخطأ.
2) أن قلاوون قام بتسميمه ليأخذ الحكم لاحقا.
3) أنه مات نتيجة جرح أصيب به قديما

ودفن في المدرسة الظاهرية في دمشق، تولى من بعد ولديه بركة ثم سلاميش ولكنهم لم يستمروا طويلا، حيث اخذ قلاوون الحكم منهم، وبعد سنوات حاول إبنه خضر أخذ الحكم وقاد تمردا في الأردن ولكنه فشل.

***** المصادر:

1) السلوك لمعرفة دول الملوك، المقريزي
2) عجائب الاثار، الجبرتي
3) النجوم الزاهرة، ابن تغري بردي
4) كنز الدرر، الدواداري
5) تاريخ الخلفاء، السيوطي
6) البداية والنهاية، ابن كثير

****************
كتب بقلم:
المؤرخ تامر الزغاري
****************

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى