مزرعة الحرية 8

فايل المطعني
فايل المطعني

مزرعة الحرية
بقلم / فايل المطاعني

الأبطال
( تلك الأرواح الجميلة التي تشبه ارواحنا )
الفصل الثامن
صلاة الإستخارة
وبعد أن جلسنا ،نستمع إلى إحدى أغنيات الفنان (محمد وردي)
أغنية محدثي من أختارها ،لتكون مدخلا لحوار بالتأكيد سيكون حوار شيق
وأخذ صديقي يدندن مع الأغنية وأكاد أجزم أن دموعه لحظات وسوف تسقط ،تركته مع نفسه قليلا ربما يستجمع قواه،لابد أن يكون المرء قويا لكي يبوح بما في نفسه،وبعد برهة توقف عن الغناء،وبكى ،وأنا محاولا أنشغل بالنظر إلى القمر ،لم أكن أرغب أن أقول له كلام محفز، عندما يبكي الرجل أتركه لا تتفوه بكلمة دعه،يبكي دعه يتنفس، فقط راقب النجوم أو القمر إذا كانت ليلة مقمرة ،وإذا لم تكن حاول أن توهمه أنك تتحدث مع رفيق لك عبر هاتفك المتحرك، يعني بالعربي إعمل نفسك ميت؟!!
وبعد قرابة العشر دقائق بدأ يتحدث فقال:
من أشهر قصص الحب، قصة قيس وليلى العامرية ،أو عنترة بن شداد وابنة عمه عبلة بنت مالك،وضحك صديقي الذي قال: أعلم هناك الكثير لكن هؤلاء خلدهم التاريخ ،وأضاف،لو بيدي
آلة الزمن (ده الآلة إلي بترجع الزول للوراء)
كنت أخذتها أوري صديقي قيس وأخبره أن الزمن بعدك تغير كثير ،وأصبح الحب بعدك لعبة،نظر إليّ ضاحكا، ولكني لم أبادله الضحكات فأنا مثل الطبيب عندما يعالج مريضه ،ويرى المريض يتألم ولكن لا يستطيع أن يبكي فهو وضع مشاعره وأحاسيسه خارجا ،وأصبح يمارس مهنته بإحترافيه حتى يستطيع أن يعبر بالمريض إلى شاطىء العافية والصحة وأنا كذلك ،أريد من ضيفي أن يتحدث يخرج مافي داخله،وأنا أنقل تلك الأحاسيس والمشاعر لكم ،
نظر إليّ والإبتسامة لا تفارق وجهه وهو يقول :تريد أن تعرف الحكاية أيها الصحفي ،مارأيك لنبدأ من البداية ،فأومأت برأسي علامة على الموافقة فقال
منذ كنت صغير ،وأنا معجب (بالريله)يعني من الإعدادية ،عندما بدأت مشاعري تتوهج ،وتحولت تلك المشاعر إلى طوفان داخلي،أحببت حب قيس لابنة عمه ليلى،وضحك وهو يقول : هل كان عندي بعض من العلم،عندما كنت أتمنى أن يحدث لي مثلما حدث،لقيس وحبيبته ،بمعنى أن أفقد حبيبتي،من أجل أن أعيش قصة حب يخلدها التاريخ ،وضرب جبينه بلطف وهو يقول:يا زول إلى الدرجة دي كنت مجنون.
راح أحكي القصة من الأول واعتبرني قيس القرن الحادي والعشرين
أسمي محمد تاج السر محجوب،و أزال أستغرابي لما قال :نحن بالسودان عندنا الأسماء مركبه ،يعني أنا اسمي محمد تاج السر و الوالد يكون اسمه محجوب أو محمد محجوب وهكذا،طبعا بعد ما كبرت رحلت إلى السعودية ،نحن السودانيين حلمنا ،العيش والعمل بالسعودية ،مافي أجمل من العيش في بلد يحتضن قبر الرسول عليه الصلاة والسلام ،جهزت البيت الحمدلله ،وجاء دور الزوجة،وبصراحة ما كنت أهتم لأن الأمر محسوم، من يوم وأنا في الإعدادية ،وأنا حاط عيني، على بنت عمي
(الريله ميرغني )
ونظر إليّ فجأة وقال:ببساطة لأني أحبها، وأسترسل قائلا طبعا في مثل هذه الأمور،تركت الموضوع للوالدة،تفتح الطريق مع أهلها،وتكون الموافقة النهائية بإذن الله.
حلمي مثل حلم أي شاب يتقدم لخطبة بنت من أهله،أن توافق ،وتوقف فجأة عن الكلام ثم قال، وكأنه تذكر شيء قبل لا أذهب إلى بيت العروس لازم أعمل فيها حاتم الطائي،وطبيعة السوداني كريم ،فكنت على آخر الأسبوع،نروح عوائل إلى شارع النيل، ونجلس لحد منتصف الليل ، في ‘وناسه شديدة’ وكنت خلال تلك الوناسه أتبادل النظرات مع حبيبتي ‘الريله’ وأنا أنتظر ذلك اليوم الذي يعقد فيه قراني عليها.
مرة في الأسبوع كنت أذهب إلى بيتهم السلام على عمي، ومنها أرى حبيبتي ،فكنت أحب بيتهم، فقلت له ،ولأول مرة أتدخل في الحديث
أين يقع بيتهم
فقال محدثي:يقع في حي الرياض أحد أرقى الأحياء في العاصمة الخرطوم.
وصمت فأنا عرفت من الوهلة الأولى أن الرجل من الطبقة الأرستقراطية ،حتى في إختيار كلماته أنيق ،وأضاف قائلا:أصبحت أحب شارع النيل ،لأنه يجمعني مع من أحب،وأيضا هناك سبب آخر، أنه مكان زاخر بالحياة ،زاخر بالحب.
وبعدها سكت ،فقد جاءت لحظة البوح،بما يحمله قلبه من ألم ،لقد إنتظرت طويلا،كلمة موافقة،
صحيح هي تبتسم لي، وتهديني تلك النظرات،التى تذيب القلب وتذهب العقل شوقا إليها ومثل ما قال أحد الشعراء
عيونك فيها شي
يحير
تغير في اتجاه
الزول….
ولكن للآن. لم أسمعها منها
لم أسمع كلمة موافقة
فأنا مستعجل ،فكل شي جاهز باقي فقط إكمال مراسيم الزواج.
لقد ذهب، نصف عمري، وأنا أنتظر ،أنتظر لحظة الموافقة ،أحببتها (وبدأت دموعه تتساقط مثلما تتساقط الثلوج في ليلة شتوية شديدة باردة)
انظروا معي أنها تسقط قطرة قطرة،وهو يقول ،لقد أحببتها منذ صغري ،إنتظرتها وهي صبية،كانت لسه تعلق الأشرطة على ظفيرتها ،ثم شابة جميلة،يتمناها كل شاب في حي الرياض ،كل تلك السنون وأنا أنتظر لحظة إنتهاء الإنتظار.
والأيام تمر ،وأنا أنتظر،وللأسف لم ألقى جواب على إنتظاري.
وفي ليلة حالكة السواد، وحبات المطر تضرب سقف بيتي ،قطرة ،قطرة ،إتصلت عليها ،فأنا أريد الجواب،ومن حسن الحظ،كانت حبيبتي على الطرف الآخر،فلقد أخذت سماعة الهاتف فقلت لها
محمد: السلام عليكم
الريله: وعليكم السلام
محمد:شنو الأخبار
الريله: الحمدلله بخير
محمد بدأت يده ترتجف :طيب كيف موضوعنا، أن شاء الله خير .
الريله،وقد أخذ الحياء يتسلل إليها أجابت:أن شاء الله خير .امم
محمد :شنو؟
الريله:أصلي أستخارة وارد عليك.
محمد وبدأ الفرح يشق طريقه إلى محياه الوسيم،فهذه الجملة،دائما البنت تستخدمها لكي تهرب من الموافقة السريعة ،يعني بالسوداني تثقل عليا.
أجاب وقلبه خرج من قفصه الصدري فرحا وطربا: طيب ردي عليا بكرا
ريله:طيب محمد
وأغلق الهاتف ،وهو يمني النفس بالموافقة ودعا الله أن يأتي بكرا سريع،وسريعا جدا .
وفي الساعة الثانية عشر صباحا سمع محمد رنين هاتفه المتحرك.
وأدرك أنها حبيبته الريله

الريله:محمد السلام عليكم
محمد: وعليكم السلام
الريله وبعد فترة إنتظار قالت وهي تتلعثم:أنا آسفه محمد
محمد يحاول أن يفهم: شنو حاصل
الريله: أنا صليت ،لكن ما شفت حاجه،وقلبي ما إرتاح،شوف ليك وحده غيري ،إنت زول طيب وتستاهل وحده أحسن مني!
ما صدقت الكلام إلي قالته،وكأني في حلم،
أنا إنتظرتها سنين طويلة ،وأحلم بليلة عرسنا وبنهاية تقولي شوف ليك وحده ثانية!
وأخذ يصرخ
ليه رفضتني ،ليه تخلت عني
قبل لا تتكلم ،ما عرفت إني أحبها ،كان محمد مثل المجنون ،بل مثل الثور الهائج تمام ،وهو يخاطب نفسه،
يمكن أنا ما حكيت لها قصة حبي لها، وإنتظاري السنين وغربتي من أجلها،وهو يضرب كف بكف ،هي حسمت الموضوع ،صلت ورفضتني بكل سهوله،وأنا قاعد سنين طويلة أحلم بيها أخذ يضحك مثل المجنون ويضحك ،ويضحك، وفي اليوم التالي قطع تذكرة سفر إلى عمان ،سافر ولم يعد إلى السودان،فقد ذهب إلى حيث يموت ولا يرى حبيبته مع شخص آخر
انتهت…
معاني الكلمات
الريله: البنت الجميلة فارعة الطول .وهذه من أغاني فنان السودان الراحل محمد وردي
ولا زالت حكايات مزرعة الحرية مستمرة
يوميات رجال في مزرعة الحرية🌴

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى