حب متأخر

سمير الشحيمي

بقلم – سمير الشحيمي

عندما يحضر الأولاد من المدرسة يتجهون نحو اليسار إلى المطبخ وذلك بحثاً عن أمهم، ولا يتجهون إلى اليمين ،حيث مكتبي بحثاً عنّي، رغم أن مكتبي مقابل المطبخ تماماً،

لا أتوقّف كثيراً حول هذا “التطنيش”، أحياناً أسمع أمهم تقول لهم: “سلمتوا” على أبوكم؟.. روحوا “سلموا”.. بين هذا الطلب وتنفيذه يستغرق الأمر من 15 دقيقة إلى 30 دقيقة ، ولا أتوقف كثيراً حول هذا “التطنيش” أيضاً ..

فالدنيا “زحمة”، والطرق المؤدية من المطبخ إلى غرفتي تشهد ازدحاماً مرورياً كبيراً، وقد يستغرق منهم الوصول إليّ وقتاً أطول..
في نهاية المطاف يصلون نحوي فرادى و سلام وتحية باردة

الأسبوع الماضي، وفور وصول أكبر الأبناء،حفظه الله ،خرجت بالصدفة من مكتبي فوجدته يقف في المطبخ متجها إلى :” الوالدة” الحبيبة -يحفظها الله ، وعندما رآني تراجع وأخفى شيئا خلف ظهره، فأكملت طريقي دون انتباه..

وعند العودة ضبطته وهو يضع بفمها قطعة “شوكولاتة” فاخراً قد اشتراه لها من مصروفه، وعندما رآني خجل مني ولم يعرف كيف يتدارك الموقف،

ثم بعد هابثوانٍ حاول أن يخرج من جيب بنطاله “الجينز” حلاوة ” كانت ملتصقة في قعر الجيب بالكاد أخرجها، وعليها بعض قطع مناديل الورق محاولاً إهدائي إياها فشكرته .

أنا لا أتوقف كثيراً حول هذا التمييز “، صحيح أن الشوكولاتة التي اشتراها لأمه لذيذة جداً، ونفسي فيها إلى هذه اللحظة، لكنني لا أنزعج من ميلهم كل الميل نحو أمهم، فقد كنا مثلهم وأكثر،حينما كنا صغارا
رغم كدّ الأب وسفره وتعبه وحنانه ، إلا أن الجنوح يكون نحو الأم، وهذه طبيعة فطرية لا نتحكّم فيها!

الغريب أن الأولاد لا يكتشفون حبّهم الجارف لآبائهم إلا متأخراً، إما بعد الرحيل، وإما بعد المرض وفقدان للحياة ..!!

وهذا حب متأخر كثيراً حسب توقيت الأبوة..
الآن كلما تهت في قرار، أو ضاقت عليّ الحياة، أو ترددت في حسم مسألة .. تنهّدت الصعداء وقلت: *أين أنت يا بابا*.

لو أعرف أن العمر قصير إلى هذا الحد، لكنت أكثر قرباً من أبي
نحن نعرف قيمة الملح عندما نفقده في الطعام ، وقيمة الأب عندما يموت ويشغر مكان جلوسه في البيت

إذ عندما يموت ويرحل عن الدنيا يفتقد الأبناء وجود ذلك البطل في حياتهم الذي كان يقودهم بثبات إلى بر الأمان.
قارئ الحبيب.
الأسرة كلها مع الأب في رحلة الحياة كراكبي قطار في سفر طويل ،لايعرفون قيمة قائد القطار إلا عندما يتعطل ، ويبدأ قائده في التفاني لإصلاحه وإعادة تشغيله رغم ضخامته

الأب وحده هو الذي لا يحسد ابنه على موهبته وتفوقه، بل بتفوقه يتباهى ويفرح ويفاخر

والأب وحده هو الذي يخفي أخطاء إبنه ، ويغفرها وينساها

والأب وحده هو الذي يتمنى أن يكون ابنه أفضل منه في حياته

تأنيب الأب لابنه مؤلم في حينه، لكنه دواء ناجع حلو المذاق بعد التعلم منه والتماثل للشفاء والاستقامة

تأنيب الأب يصدر من جوار قلبه لامن جدار قلبه إذ يتألم وهو يؤنب ابنه.

قلب الأب هبة الله الرائعة لأبنائه
أخيراً أقول:الأم تحب من كل قلبها والأب يحب بكل قوته

(رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).

واصلح لنا ذرياتنا ونياتنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى