بقلم د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
أحالوا العم سعيد إلى التقاعد، وأغلقوا مكتب البريد، ثم باعوا دراجته في مزادٍ علني. وحده بقي متمسكًا بحقيبته الجلدية، كأنها آخر عضوٍ حيّ في جسدٍ مات منذ سنوات.
ذات صباح، وجد تحت باب بيته مظروفًا بلا عنوان، مختومًا بالشمع الأحمر. لم يكن عليه اسم المرسل ولا المرسل إليه، لكن ختمه حمل شعار البريد القديم.
حمله إلى المبنى المهجور. دفع الباب، فاستقبله الغبار ورائحة الورق المتعفّن. جلس خلف الشباك، ووضع المظروف أمامه، ثم انتظر.
مرّ يوم، ويومان، وأسبوع. لم يأتِ أحد.
أخيرًا، فضّ المظروف. وجد داخله ورقةً رسمية جاء فيها: «نرجو إعادة المظروف إلى المرسل، لتعذّر الاستدلال على عنوان المرسل إليه».
ضحك العم سعيد طويلًا، حتى خُيّل إليه أن المبنى استعاد صوته.
في اليوم التالي، عثر حارس البلدية على جثته خلف الشباك، والحقيبة الجلدية تحت رأسه. وحين فتح محضر الوفاة، كتب في خانة المهنة: «ساعي بريد متقاعد».
أما المظروف، فقد أُحيل إلى الأرشيف.
كان عنوانه واضحًا هذه المرة:
إلى من يهمّه الأمر….!!.
29.أكتوبر.تشرين أول.2026م.










