في قلب المتاهة وجدتُ نفسي

بقلم: زينة سليم سالم البلوشية

كنتُ تائهة، لا أستطيع معرفة أي طريقٍ أسلك. كنتُ أتردد بين الأول والثاني، ولم أستطع عبور أيٍّ منهما.

وقفتُ في المنتصف أبكي بحرقة، وشعرتُ وكأن قلبي كاد أن يتوقف، وجسدي لم يعد يستطيع الحركة، وأنفاسي كادت لا تُسمع. كان شعورًا لا تصفه كلماتي أبدًا.

كنتُ بحاجةٍ لمن يمسك بيدي ويُخرجني من تلك المتاهة المخيفة، ولكنني لم أجد سوى نفسي وظلي. لم يكن هناك أحدٌ سواي، فتملكني الخوف أكثر.

بدأتُ أردد عباراتٍ غير مفهومة، وأتلفت يمينًا وشمالًا. وفجأة، ظهر طيفٌ من العدم، وبدأ يمسح على رأسي ويقول لي:

«أنتِ أقوى مما أراه الآن.»

فحاولتُ أن أرد، ولكن كأن هناك من أمسك بطرف لساني؛ فمهما حاولت الكلام، لم أستطع.

بدأ يسرد لي قصته، وأنا أستمع وكأنني لم أكن أجيد شيئًا سوى الإنصات. أخذ يخبرني بأنه كان يومًا مثلي؛ تائهًا لا يعرف إلى أين يتجه، لكنه وقف بعزيمة، وقرر المواصلة، ورفض الاستسلام للمتاهة.

بدأتُ تدريجيًا أستعيد نفسي وطاقتي، فأكمل حديثه قائلًا:

«لا تخافي من المجهول أبدًا، فلربما كان خيرًا لكِ مما عرفتِه سابقًا.»

وما هي إلا لحظات حتى شعرتُ بأنني استيقظتُ من نومٍ عميق، مع أنني لم أكن في الحقيقة نائمة.

ولكن ما إن غادر هذا الطيف حتى عدتُ أشق الطريق، وكنتُ عازمةً على الخروج.

وفجأة، رأيتُ بابًا لم أره من قبل، وكأنه كان مخبأً عني. وما إن اقتربتُ منه حتى فتح من تلقاء نفسه، وبدأ الباب يحدثني.

شعرتُ بأنني كنتُ أتخيل، أو أنني لم أكن على ما يرام.

دار في عقلي حديثٌ طويل، ولكن في النهاية بدأتُ أستوعب أن ما كان يحدث حقيقيٌّ، وليس حلمًا.

أخبرني أن أكمل الطريق، وألا أنظر إلى الوراء مهما حصل، وأن أواصل مهما كانت العقبات التي تقف أمامي.

أكملتُ طريقي وأنا في صدمةٍ مما عشته ومما سمعته. فكيف لبابٍ أن يتحدث؟

ولكنني لم أتوقف، واستمعتُ إلى ما قاله، وما هي إلا لحظاتٌ قليلة حتى فُتح لي بابٌ آخر، وكان النور يشعّ منه بقوة، حتى كدتُ أفقد بصري من شدته.

ولكنني أكملتُ، فإذا بامرأةٍ تمسك بيدي وتحتضنني، وتقول:

«ها قد وصلتِ، أنتِ شجاعةٌ جدًا. أنا سعيدةٌ بوجودك، كنتُ واثقةً من أنكِ لن تستسلمي.»

في تلك اللحظة، لم أعرف ماذا حصل لي، ولكنني شعرتُ بأمانٍ لم أشعر به من قبل، وشعرتُ بأنني عدتُ طفلةً صغيرة.

فبدأت عيناي تنهمران بالدموع دون توقف، وكأنها كانت المرة الأولى في حياتي التي أذرف فيها الدموع.

فأخذت تسألني:

«ما بكِ؟ لماذا تبكين؟»

أجبتُ بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع من شدة شهقاتي:

«أنا بخير، ولكن حضنكِ أعادني إلى حنان أمي.

وبوجودكِ شعرتُ بأنني على ما يرام، ولم أعد خائفة. لم يعد يتملكني شعورُ القلق، وشعرتُ بالاطمئنان، وكأنني عدتُ إلى منزلي.

لا تتركيني وحيدة، ساعديني لأواصل الطريق، لأرى عالمي، ولأستعيد نفسي.

كوني موجودةً معي، وارسمي لي طريق الخروج.

نظرتْ إليّ بابتسامة، وقالت لي:

أنا هنا معكِ، لا تخافي أبدًا، سأكون دائمًا هنا.

ستجدينني أقف خلفكِ، ولن أدعكِ وحيدة.

لكن يجب أن تعرفي أن الحياة متاهةٌ كبيرة لا تنتهي، فيجب عليكِ أن تواصلي السير. لا تقفي في منتصف الطريق، وإن شعرتِ بالتعب، فخذي استراحة، حتى وإن كانت طويلة، ولكن امضي قدمًا. لا تجعلي المتاهة نهاية حياتكِ، ودعي الحياة تأخذكِ إلى ما كُتب لكِ.

وتذكّري أن الحياة لن تكون دائمًا إلى جانبكِ، فأحيانًا ستكون ضدكِ، لكن هذا لا يعني أن تستسلمي لها. واجهيها وانتصري.

وبعدها أمسكتْ بيدي، وأكملنا نحو طريقٍ لا أعرف نهايته، لكن في تلك اللحظة لم أكن خائفة، بل بالعكس، كنتُ أحاول أن أكتشف ماذا يخبئ لي.

لم أعد أخاف من المجهول، بل بدأتُ أرغب في معرفته. لم أعرف ماذا ينتظرني في الأبواب التي سأفتحها، ولكن على الرغم من ذلك قررتُ المواصلة.

عندما بدأتُ أفتح بابًا تلو الآخر، بدأت مشاعرُ تتجدد بداخلي. لم أكن أبحث عن طريقٍ للخروج، بل بدأتُ أبحث عن نفسي.

لم أشعر بالعجز، بل بالعكس، كانت هناك قوةٌ غريبة تسيطر عليّ، لم تكن موجودةً من قبل.

وبدأتُ أكتشف أن المتاهة لم تكن لغزًا، بل كانت مفتاحًا لأكتشف حياتي، وهي البداية فقط لقادمٍ لا أعلم خباياه.

لكن الآن أستطيع أن أواجه كل المتاعب والعقبات بروحٍ عازمةٍ على الانتصار دائمًا. لن يقف في طريقي شيءٌ أبدًا.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24