عندما يغيب المشروع العربي.. من يحمي الأمن القومي العربي؟

ضياء الصفار 
يشهد الوطن العربي والإقليم عموماً تحولات متسارعة في موازين القوى، وتتوالى فيها التحالفات والترتيبات الأمنية الجديدة، في وقت يبدو فيه الوطن العربي أكثر افتقاداً إلى إطار استراتيجي مشترك يحمي مصالحه ويصوغ رؤيته لمستقبله.
ولعل الاتفاق السعودي ـ التركي ـ الباكستاني يمثل نموذجاً دالاً على هذه التحولات؛ ليس لأنه يستهدف العرب أو يمثل بديلاً عنهم، وإنما لأنه يكشف حقيقة أكثر عمقاً وهي أن دول المنطقة أصبحت تبحث عن أمنها من خلال ترتيبات إقليمية خارج الإطار العربي، في ظل غياب منظومة عربية فاعلة للأمن القومي . فالدول تتحرك وفق مصالحها، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية ، ومن حق السعودية كما من حق أي دولة عربية، أن تبحث عن شراكات توفر لها الأمن والردع والمصالح الاستراتيجية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه هو :
لماذا لم يستطع العرب حتى الآن بناء منظومة أمن قومي تجعل التعاون العربي الخيار الأول، ثم تأتي الشراكات الإقليمية والدولية في إطار مشروع عربي واضح؟

لقد تراجع، خلال العقود الماضية، مفهوم الأمن القومي العربي لحساب الأمن الوطني المنفرد. وأصبحت كل دولة تبحث عن مظلتها الأمنية وفق حساباتها الخاصة، بينما غابت الاستراتيجية التي تنظر إلى أمن الخليج العربي والبحر الأحمر والطاقة والمياه والغذاء والممرات البحرية والاستقرار السياسي باعتبارها مكونات مترابطة للأمن العربي . وليس معنى ذلك أن التحالفات الإقليمية أمر سلبي في حد ذاته ، بالعكس، قد تكون ضرورية في مواجهة تحديات لا تستطيع دولة منفردة مواجهتها.
لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه التحالفات إلى بديل عن المشروع العربي، لا إلى أدوات تخدمه.وهنا تبرز المفارقة ، فالوطن العربي لا يفتقر إلى عناصر القوة ، يمتلك الثروة والطاقة، والموقع الجغرافي، والممرات البحرية، والأسواق، والموارد البشرية، والجيوش، ورؤوس الأموال، ومقومات إنتاج قوة اقتصادية واستراتيجية هائلة. لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني امتلاك القوة !! فالقوة تحتاج إلى رؤية وإرادة سياسية ومؤسسات قادرة على تحويل الإمكانات المتفرقة إلى قدرة مشتركة.
لقد استطاعت قوى إقليمية أخرى أن تبني شبكات نفوذ وتحالفات طويلة الأمد، فيما استنزفت الخلافات العربية ـ العربية جزءاً كبيراً من قدرة العرب على بناء موقف استراتيجي مشترك. وهكذا انتقل العرب تدريجياً من موقع صانع التوازن إلى موقع المتأثر بالتوازنات التي يصنعها الآخرون. ومن هنا فإن اتفاق مكة ينبغي ألا يُقرأ باعتباره تهديداً للمشروع العربي، بل باعتباره جرس إنذار.
إذا كانت ثلاث دول تستطيع أن تجمع عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية في إطار واحد، فلماذا لا يستطيع العرب، وهم يمتلكون مجتمعين إمكانات أكبر، بناء منظومة أمن قومي عربية فاعلة؟
إن السؤال ليس: مع من تتحالف السعودية؟ أو مع من تتحالف أي دولة عربية؟ وأنما السؤال الأعمق هو : ماذا يريد العرب لأنفسهم؟ ومن يحمي مصالحهم المشتركة؟

وهنا تبرز قضية العراق بصورة خاصة لإمتلاكه مقومات الحضور الفاعل والمؤثر ، فالعراق ليس دولة هامشية في النظام الإقليمي. موقعه الجغرافي، وثرواته، وعمقه البشري والحضاري، وصلاته بالخليج العربي وتركيا وإيران وبلاد الشام، تجعله ركناً أساسياً في أي نظام أمني عربي أو إقليمي متوازن ، بشرط أن يكون في ظل نظام وطني وقيادة وطنية مخلصة للعراق الواحد وللأمة العربية.
ولهذا فإن استعادة العراق لقراره الوطني وسيادته الكاملة ليست قضية عراقية منفردة، وإنما جزء من استعادة التوازن العربي نفسه ، والعراق لا يحتاج إلى الانتقال من محور إلى محور، وإنما يحتاج إلى الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة، ومن موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.
والمشروع العربي الجديد لا ينبغي أن يكون مشروع عداء لتركيا أو الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا أو غيرها ، فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح، لا على الصداقات الدائمة والعداوات الدائمة ، ويمكن للعرب أن يتعاونوا مع الجميع، وأن يعقدوا شراكات وتحالفات متعددة، لكن بشرط أساسي هو (أن يمتلكوا مشروعهم أولاً ) ،فحين يمتلك العرب مشروعهم، تصبح التحالفات أدوات تخدم مصالحهم ، أما عندما يغيب المشروع، فإن التحالفات قد تتحول تدريجياً إلى مظلات أمنية، ثم إلى اعتماد، ثم إلى تبعية في القرار ،وهنا تكمن المسألة الجوهرية التي يجب أن يدركها العرب ،وهي…ليس المطلوب أن يرفض العرب التحالفات الإقليمية، وإنما أن يدخلوا إليها من موقع الشريك، لا من موقع الباحث عن الحماية.
إن إعادة بناء المشروع العربي لا تعني العودة إلى صيغ الماضي، ولا تعني إلغاء الدولة الوطنية أو فرض وحدة سياسية بالقوة.
المطلوب مشروع عربي جديد وواقعي يقوم على المصالح المشتركة: الأمن والدفاع، الاقتصاد والطاقة، المياه والغذاء، التكنولوجيا، الصناعات الاستراتيجية، والتنسيق السياسي في القضايا التي تمس الأمن العربي ، أي الانتقال من الوحدة كشعار إلى التكامل كقدرة، ومن التضامن اللفظي إلى المصالح والمؤسسات المشتركة. فالمشكلة الحقيقية اليوم ليست أن الآخرين يبنون تحالفاتهم على حساب العرب، وأنما المشكلة أن العرب تركوا فراغاً استراتيجياً ، والفراغ في العلاقات الدولية لا يبقى فراغاً؛ فإذا لم يملأه أصحاب المصلحة، ملأه الآخرون وفق مصالحهم.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل العقل العربي اليوم ليس: مع من نتحالف؟ بل ماذا نريد نحن أولاً؟ وما هو مشروعنا؟ وكيف نحمي مصالحنا؟
فالأمة التي لا تصنع أمنها، سيصنع الآخرون أمنها وفق مصالحهم ، والأمة التي لا تمتلك مشروعاً لمستقبلها، ستجد نفسها، عاجلاً أم آجلاً، جزءاً من مشاريع الآخرين.
ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية ، ليست مع هذا التحالف أو ذاك، وإنما مع الفراغ الاستراتيجي العربي، ومع الحاجة إلى استعادة القدرة على صناعة القرار والمستقبل .
ولا يمكن أن يكتمل هذا التحول من الفكر إلى المشروع من دون استعادة الدور الحقيقي للجماهير العربية على امتداد الوطن العربي الكبير. فالمشروع الحضاري العربي لا يمكن أن يكون مشروع نخبة أو تنظيم سياسي وحده، وإنما ينبغي أن يكون مشروعًا تشارك الجماهير في بلورته وصياغة أولوياته والدفاع عنه وتحويله إلى واقع.

إن المنظمات الجماهيرية والشعبية، من اتحادات ونقابات وروابط مهنية وثقافية وشبابية وطلابية ونسوية، تستطيع أن تشكل جسورًا حقيقية بين الفكر والمجتمع، وأن تتحول من أدوات للتعبئة إلى مؤسسات للحوار والمشاركة وإنتاج الأفكار والمبادرات. ومن خلالها يمكن أن تُستعاد العلاقة الحية بين المشروع العربي والإنسان العربي، بحيث يصبح العامل والفلاح والمثقف والطالب والمرأة والشاب شريكاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لشعاراته.
إن بلورة المشروع العربي المعاصر تتطلب حواراً عربيًا واسعاً تشترك فيه القوى الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية والشعبية، لأن الوحدة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بتوحيد المصالح، وتكامل الطاقات، وتبادل الخبرات، وبناء وعي عربي مشترك قادر على تجاوز حدود التجزئة.

وهنا تحديداً تكمن مسؤولية مناضلي البعث ، أن يفتحوا الفكر على المجتمع، والمشروع على الجماهير، وأن يجعلوا من المنظمات الشعبية فضاءات للحوار والنقد والإبداع والمبادرة ، فالمشروع الذي يُصاغ بعيدًا عن الجماهير يبقى فكرة، أما المشروع الذي تشارك الجماهير في صياغته وحمله، فيمكن أن يتحول إلى قوة تاريخية.
إن امتداد البعث أفقياً وعمودياً في الوطن العربي كان مرحلة تاريخية مهمة، أما التحدي الحقيقي اليوم فهو أن يتحول هذا الامتداد إلى مشروع حضاري عربي معاصر، تشارك الجماهير العربية في بنائه من المحيط إلى الخليج، وتكون شريكاً في تحديد أهدافه ووسائل تحقيقه وآفاقه المستقبلية.

23 /. آب / 2026

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24