عدالةٌ بميزانين… حين تختلف المعايير تحت سقف الأمم المتحدة

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

خرجوا من القاعة…

وفضّل عشرات المندوبين أن تكون مقاعدهم الفارغة هي رسالتهم.

وفي الرابع والعشرين من سبتمبر 2026، وبينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتجه إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، غادر عشرات المندوبين القاعة احتجاجًا، بينما بقي آخرون ليستمعوا إليه أو يؤيدوه.

لم يكن المشهد عاديًا.

فالمنصة التي يقف عليها قادة العالم للحديث عن السلام والقانون الدولي وحقوق الإنسان، وقف عليها رجل صدرت بحقه منذ 21 نوفمبر 2024 مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية. وتقول المحكمة إن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليته المزعومة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهي اتهامات قضائية خطيرة، لكنها تظل قانونًا اتهامات وليست حكمًا نهائيًا بالإدانة.

*وهنا يبدأ السؤال.*

ليس السؤال: هل نحب هذا الزعيم أم نكرهه؟

ولا: مع أي دولة نقف؟

السؤال أبسط من ذلك، وأخطر:

هل يقف الجميع فعلًا أمام القانون الدولي على المسافة نفسها؟

مذكرة هنا… ومذكرة هناك

في 17 مارس 2023 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على خلفية اتهامات تتعلق بالترحيل والنقل غير المشروع لأطفال من مناطق أوكرانية محتلة إلى روسيا.

وبعد ذلك بعام ونصف تقريبًا، أصدرت المحكمة نفسها مذكرة توقيف بحق نتنياهو.

إذن نحن أمام محكمة واحدة.

ومذكرات توقيف صادرة عن المؤسسة القضائية نفسها.

وأشخاص يشغلون أعلى مراتب السلطة في دولهم.

ومع ذلك، فإن قدرة هذه المذكرات على التحول من ورقة قضائية إلى توقيف فعلي تختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف الدولة التي يدخلها الشخص، والتزاماتها القانونية، وعلاقتها بالمحكمة، وقضايا الحصانة والتنفيذ.

وهنا تظهر واحدة من أكبر مشكلات العدالة الدولية:

القانون قد يكون مكتوبًا بالحبر نفسه… لكن اليد التي تنفذه ليست واحدة.

ولكن لنتوقف عند حقيقة مهمة

حتى يكون نقدنا عادلًا، لا ينبغي أن نقول إن الأمم المتحدة منعت بوتين من إلقاء كلمة بسبب مذكرة المحكمة، ثم سمحت لنتنياهو بالكلام.

فهذا تبسيط لا تدعمه الوقائع.

المحكمة الجنائية الدولية ليست الأمم المتحدة، رغم وجود علاقة قانونية ومؤسسية بينهما.

كما أن عدم حضور بوتين شخصيًا للجمعية العامة لا يعني في ذاته أن الأمم المتحدة منعته بسبب مذكرة الاعتقال.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

لأننا عندما نتحدث عن ازدواجية المعايير يجب ألا نمارس نحن أيضًا انتقائية في عرض الحقائق.

الحجة القوية لا تحتاج إلى معلومة غير دقيقة لكي تصبح أقوى.

لكن تصحيح هذه النقطة لا يلغي السؤال الأكبر؛ بل يجعله أكثر دقة:

كيف يستطيع النظام الدولي أن يعلن أن أشخاصًا مطلوبون للعدالة الدولية، ثم تبقى قدرة المحكمة على الوصول إليهم مرتبطة إلى هذا الحد بالجغرافيا والسياسة والقوة؟

محكمة بلا شرطي عالمي

المحكمة الجنائية الدولية لا تملك جيشًا ولا شرطة دولية تستطيع إرسالها إلى أي عاصمة للقبض على المطلوبين.

هي تعتمد في تنفيذ مذكراتها على تعاون الدول.

وهنا تظهر المشكلة.

فالولايات المتحدة ليست طرفًا في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.

وبالتالي فإن وجود نتنياهو في نيويورك لا يعني أن المحكمة تستطيع ببساطة إرسال رجالها إلى مقر الأمم المتحدة ووضع الأصفاد في يديه.

القانون الدولي أكثر تعقيدًا من هذه الصورة.

لكن المواطن العادي الذي يشاهد المشهد قد لا يفكر في كل هذه التفاصيل القانونية.

إنه يرى شيئًا أبسط:

رجل مطلوب أمام محكمة دولية يقف على واحدة من أشهر المنصات الدولية في العالم.

ثم يسأل:

فما قيمة المذكرة؟

ومن يستطيع تنفيذها؟

وعلى من تُنفذ؟

ومن يستطيع الإفلات من الوصول إليها؟

وهذه أسئلة مشروعة.

المشكلة ليست في وجود القانون… بل في قوة القانون

لدينا مواثيق.

ولدينا محاكم.

ولدينا اتفاقيات.

ولدينا قرارات.

ولدينا خطابات سنوية طويلة عن السلام وحقوق الإنسان.

لكن العدالة لا تقاس بعدد القوانين المكتوبة.

العدالة تقاس بقدرة القانون على الوصول إلى القوي كما يصل إلى الضعيف.

فإذا كان القانون شديدًا أمام دولة صغيرة، ثم يصبح معقدًا ومترددًا أمام دولة تحظى بتحالفات قوية، فإن المشكلة لا تعود في نص القانون وحده، وإنما في بنية النظام الدولي الذي ينفذه.

وهنا تحديدًا يشعر كثير من الناس بأن العدالة لها ميزانان.

ليس بالضرورة لأن القاضي كتب قانونين مختلفين…

بل لأن القدرة على تنفيذ القانون ليست موزعة بالتساوي.

ومن أين لإسرائيل هذه القوة؟

هذا السؤال يتكرر كثيرًا.

والجواب ليس كلمة واحدة.

إسرائيل تملك قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية، لكنها كذلك تتمتع بعلاقة استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة.

وعلى سبيل المثال، تنص مذكرة التفاهم الأمريكية-الإسرائيلية للفترة المالية 2019–2028 على تعهد أمريكي، خاضع لاعتمادات الكونغرس، بقيمة 38 مليار دولار من المساعدات العسكرية والدفاع الصاروخي خلال عشر سنوات.

وهناك أيضًا القوة الدبلوماسية.

فالولايات المتحدة واحدة من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وتملك حق النقض «الفيتو». وسجلات الأمم المتحدة نفسها تظهر استخدام واشنطن للفيتو في ملفات تتعلق بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، كما تستخدم دول دائمة أخرى الفيتو لحماية مصالحها وحلفائها في قضايا مختلفة.

وهنا يجب أن نكون منصفين مرة أخرى:

ازدواجية المعايير ليست اختراعًا إسرائيليًا، وليست حكرًا على الولايات المتحدة.

القوى الكبرى جميعها، بدرجات وصور مختلفة، تعرضت لانتقادات بسبب استخدام نفوذها السياسي والعسكري والدبلوماسي بما يخدم مصالحها أو مصالح حلفائها.

ولهذا فإن القضية أكبر من إسرائيل.

إنها قضية نظام دولي يجمع بين مبدأ المساواة القانونية وبين واقع شديد التفاوت في القوة السياسية.

خمسة يملكون ما لا يملكه الباقون

في الجمعية العامة تجلس عشرات الدول، ولكل دولة صوت.

دولة صغيرة قد يكون لها صوت واحد.

ودولة عظمى لها صوت واحد.

وهنا يبدو العالم متساويًا.

لكن عندما ننتقل إلى مجلس الأمن تتغير الصورة.

هناك خمس دول دائمة العضوية تملك حق النقض: الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة.

أي أن دولة واحدة من هذه الدول تستطيع، ضمن قواعد المجلس، إسقاط مشروع قرار موضوعي حتى لو أيده بقية الأعضاء بالعدد المطلوب.

وهنا يظهر التناقض الذي عاش معه النظام الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة:

الدول متساوية في السيادة من حيث المبدأ، لكنها ليست متساوية في القوة داخل بنية النظام الدولي.

وهذا ليس سرًا.

إنه مكتوب في النظام نفسه.

حين يصبح اسم الدولة جزءًا من القضية

تخيلوا للحظة ميزان عدالة حقيقيًا.

يفترض أن تكون عيناه معصوبتين.

لا يرى لون المتهم.

ولا جنسيته.

ولا دينه.

ولا حجم جيشه.

ولا حجم اقتصاده.

ولا اسم حليفه.

يسأل فقط:

ماذا فعل؟

وما الأدلة؟

وماذا يقول القانون؟

هذه هي العدالة التي يفهمها الإنسان البسيط.

فإذا ارتكب روسي جريمة حرب، فليُحقق معه وفق القانون.

وإذا ارتكب إسرائيلي جريمة حرب، فالمعيار نفسه.

وإذا ارتكبها عربي أو أمريكي أو أوروبي أو إفريقي أو آسيوي، فلا ينبغي أن يتغير الميزان.

لأن العدالة التي تسأل أولًا:

«من حليفك؟»

قبل أن تسأل:

«ماذا فعلت؟»

تفقد شيئًا من معناها في أعين الناس.

المقعد الفارغ كان يتكلم

ولهذا كان خروج المندوبين من قاعة الجمعية العامة في أثناء خطاب نتنياهو مشهدًا رمزيًا قويًا.

يمكن الاختلاف سياسيًا حول تفسيره ودوافع كل دولة شاركت فيه، لكنه عبّر بوضوح عن احتجاج سياسي ودبلوماسي على وجوده وخطابه وسياسات حكومته.

لم يستطيعوا إسكات المنصة.

لكنهم استطاعوا أن يتركوا المقاعد فارغة.

وأحيانًا يكون المقعد الفارغ أبلغ من خطاب طويل.

فالذي غادر لم يحتج إلى ميكروفون.

ترك مكانه يتكلم عنه.

لكن هل الأمم المتحدة هي المذنبة وحدها؟

هنا يجب ألا نظلم المؤسسة نفسها ونحن نكتب عن العدل.

الأمم المتحدة ليست حكومة العالم.

والأمين العام ليس رئيسًا للكرة الأرضية.

والجمعية العامة لا تملك شرطة ترسلها حيث تشاء.

والمحكمة الجنائية الدولية مؤسسة مستقلة عن الأمم المتحدة.

كثير مما نسميه «عجز الأمم المتحدة» هو في الحقيقة انعكاس لإرادة الدول الأعضاء نفسها، وخاصة القوى الكبرى.

فالأمم المتحدة ليست كائنًا منفصلًا عن الدول.

هي، إلى حد بعيد، مرآة لها.

وحين تختلف الدول الكبرى، يظهر الشلل في المرآة.

وحين تستخدم دولة قوية نفوذها لحماية حليف، لا يكون السؤال فقط:

لماذا لم تتحرك الأمم المتحدة؟

بل أيضًا:

من الذي منعها من التحرك؟

بوتين ونتنياهو ليسا القضية

وهذه أهم نقطة في مقالنا.

لسنا هنا للدفاع عن بوتين.

ولا لإصدار حكم قضائي بأن نتنياهو مذنب؛ فالإدانة مسؤولية المحكمة بعد الإجراءات والمحاكمة والأدلة والدفاع.

القضية أكبر من الرجلين.

يمكن غدًا أن تتغير الأسماء.

ويموت الزعماء.

وتتغير الحكومات.

وتنتهي الحروب.

لكن السؤال سيبقى:

هل يستطيع النظام الدولي أن يصنع عدالة لا تتغير قوتها بتغير اسم المتهم؟

لأن القانون الذي يُطبَّق على خصومنا فقط ليس قانونًا كاملًا.

والعدالة التي نطالب بها عندما يكون المتهم عدوًا لنا، ثم نتردد أمامها عندما يكون حليفًا، ليست عدالة متماسكة.

الضحية لا تسأل عن السياسة

هناك إنسان تحت الأنقاض لا يعرف معنى «الفيتو».

وهناك أم فقدت طفلها لا تعرف مواد نظام روما الأساسي.

وهناك طفل فقد أسرته لا يعرف الفرق بين دولة طرف في المحكمة ودولة ليست طرفًا.

الضحايا لا يعيشون في كتب القانون.

إنهم يعيشون نتائج القرارات.

ولهذا، عندما تتحول العدالة إلى نقاش طويل حول الاختصاص والحصانات والتحالفات والنفوذ، بينما يبقى الضحايا ينتظرون، تنشأ فجوة خطيرة بين القانون كما تراه المؤسسات والعدالة كما ينتظرها الإنسان.

والقانون يحتاج إلى الإجراءات والضمانات بلا شك.

لكن العالم يحتاج كذلك إلى أن يشعر بأن هذه الإجراءات لا تتغير باختلاف قوة المتهم.

العدالة لا تعرف الأعلام

ليس المطلوب أن نعتقل شخصًا لأننا نكرهه.

ولا أن نبرئ آخر لأننا نحبه.

ولا أن تصبح المحكمة أداة سياسية بيد طرف ضد آخر.

بل العكس تمامًا.

نريد قانونًا قويًا بما يكفي ليقاوم السياسة.

نريد معيارًا يقول:

إن كان بريئًا، فليثبت ذلك أمام قضاء عادل.

وإن ثبتت الجريمة بعد محاكمة عادلة، فليتحمل مرتكبها المسؤولية مهما كان اسمه ومنصبه ودولته.

فلا تصبح جنسية المتهم درعًا.

ولا يصبح ضعف دولته سببًا لسهولة الوصول إليه.

ولا تصبح قوة حلفائه جواز مرور.

ميزان واحد

ربما تكون المشكلة الأكبر في عالمنا اليوم ليست غياب الحديث عن العدالة.

فنحن نتحدث عنها كثيرًا.

المشكلة أن الشعوب تريد أن تراها.

تريد أن ترى القانون يقف أمام القوي كما يقف أمام الضعيف.

وتريد أن ترى دم الطفل في دولة فقيرة له القيمة الإنسانية والقانونية نفسها لدم الطفل في دولة قوية.

وتريد أن ترى المحكمة تسأل عن الفعل قبل أن تسأل عن العلم المرفوع فوق صاحبه.

وإلا سيظل السؤال يتردد:

لماذا هنا جريمة حرب…

وهناك «ظروف معقدة»؟

لماذا هنا يجب تنفيذ القانون فورًا…

وهناك نحتاج إلى سنوات من الجدل؟

لماذا يُرفع ميزان العدالة في وجه البعض…

ثم يصبح ثقيلًا عندما نريد رفعه أمام آخرين؟

ليس المطلوب عالمًا بلا سياسة؛ فهذا مستحيل.

ولا عالمًا بلا مصالح؛ فالدول ستظل تبحث عن مصالحها.

لكن المطلوب ألا تصبح المصالح أعلى من القانون.

وألا يصبح الحليف فوق المساءلة.

وألا تصبح العدالة امتيازًا يحصل عليه من يملك القوة للوصول إليها.

ففي قاعة الأمم المتحدة عشرات الأعلام…

وعشرات اللغات…

وعشرات المصالح والتحالفات.

لكن إذا كان العالم جادًا حين يتحدث عن القانون الدولي، فيجب أن يكون هناك في النهاية:

ميزان واحد.

لأن العدالة إن احتاجت أن تعرف اسم الدولة قبل أن تعرف اسم الضحية، فقد بدأت تفقد معناها.

وإن كان القانون قويًا على الضعفاء وضعيفًا أمام الأقوياء، فالمشكلة ليست أن العالم يفتقر إلى القوانين…

بل أنه يفتقر إلى المساواة في تطبيقها.

وعندها سيظل ذلك المشهد حاضرًا:

منصة تتحدث عن القانون الدولي…

مقاعد فارغة تحتج…

ومذكرة توقيف قائمة…

وعالم يسأل:

هل لدينا فعلًا عدالة واحدة؟

أم أننا ما زلنا نعيش تحت سقف واحد…

بعدالةٍ بميزانين؟

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24