الدكتور ثائر العجيلي
في الذاكرة الشعبية لمدينة الناصرية وعشائر لواء المنتفك، بقيت عبارة قصيرة تتناقلها الأجيال منذ أكثر من قرن:
«شِرْناها وعَيَّت باهيزة»
أربع كلمات فقط، لكنها اختصرت قصة مواجهة، ومكانًا، ورجلًا، ومرحلة كاملة من تاريخ المقاومة العشائرية في جنوب العراق ضد القوات البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى.
وترتبط الأهزوجة في الرواية المتوارثة باسم «الشيخ المجاهد ذرب الثامر آل خضير»، شيخ عشائر آل أزيرج، المولود سنة 1865م والمتوفى سنة 1929م، والذي أصبح اسمه جزءًا من ذاكرة تلك المواجهة، حتى غدت «باهيزة» و«ذرب» والأهزوجة ثلاثة وجوه لحكاية واحدة.
وأهزوجة «شرناها وعيت باهيزة» من الأهازيج الوطنية العراقية التاريخية التي ارتبطت ب«بمعركة باهيزة» سنة 1916م قرب مدينة الناصرية، يوم تصدى رجال آل أزيرج بقيادة الشيخ ذرب للقوات البريطانية ومنعوها من عبور المجرى المائي والتقدم عبر المنطقة.
♦️ الحكاية التي حفظها الناس
تروي الذاكرة الشعبية أن القوات البريطانية، وهي تتحرك من الناصرية باتجاه الشمال في أثناء عملياتها العسكرية في العراق، وصلت إلى منطقة باهيزة، لكنها عجزت عن تجاوز المجرى المائي أمام مقاومة آل أزيرج واستبسال رجالهم.
تقدم القائد البريطاني للتفاوض مع الشيخ ذرب، وكان إلى جانبه مترجم ينقل الحديث بين الرجلين. وخلال التفاوض سمع القائد اسم «باهيزة» يتكرر باعتبارها صاحبة الكلمة في مسألة العبور، فظن أن «باهيزة» اسم شخصية عشائرية نافذة، أو شيخٍ آخر بيده القرار.
لذلك طلب القائد البريطاني بنفسه من الشيخ ذرب أن يرافقه إلى باهيزة ليتحدث معها ويطلب موافقتها على عبور قواته.
وافق الشيخ.
وانطلق القائد البريطاني والمترجم بصحبة الشيخ ذرب ورجاله إلى المكان الذي ينتظر فيه الضابط مقابلة تلك الشخصية التي تصور أن اسمها «باهيزة».
وحين وصلوا إلى حافة المجرى المائي، انكشفت براعة المشهد.
لم تكن باهيزة شيخًا ولا قائدًا ينتظرهم.
كانت النهر والمكان.
تقدم الشيخ ذرب إلى ضفة الماء، وأمام القائد البريطاني ومترجمه والرجال، التفت إلى النهر وخاطبه كما لو أنه إنسان يجلس أمامهم:
«باهيزة… الجماعة يريدون يعبرون… شتگولين؟»
ثم أنصت قليلًا كأنه ينتظر منها الجواب.
وعاد إلى القائد، وقال عبر المترجم إن «باهيزة رفضت أن يعبروا».
فتحركت جموع الرجال خلفه، وانطلقت الهوسة التي ستبقى في ذاكرة الناصرية وآل أزيرج:
«شِرْناها… وعَيَّت باهيزة»
أي:
«استشرناها… فأبت ورفضت».
في تلك اللحظة تحوّل الرفض من قرار رجل يمكن الضغط عليه أو مساومته، إلى قرار الأرض نفسها.
النهر يرفض.
والأرض ترفض.
والرجال الواقفون وراء الشيخ لا يفعلون سوى احترام قرارها.
ماذا تعني الأهزوجة؟
شِرْناها في اللهجة الجنوبية العراقية تعني: استشرناها وأخذنا رأيها.
أما عَيَّت فتعني: أبت ورفضت ولم تقبل.
وباهيزة اسم المكان والمجرى المائي الذي ارتبط بالمواجهة في منطقة المنتفك، وأصبح بعد ذلك رمزًا في ذاكرة آل أزيرج وأهالي المنطقة.
ومن هنا جاءت بلاغة الأهزوجة: بدل أن يقول الشيخ «نحن نرفض عبوركم»، جعل الأرض نفسها صاحبة القرار:
«سألنا باهيزة… فقالت لا».
♦️ «باهيزة في زمن الحرب»
جرت أحداث باهيزة سنة 1916م، في مرحلة شديدة الحساسية من العمليات العسكرية البريطانية في العراق.
كانت القوات البريطانية قد اندفعت من البصرة صعودًا باتجاه الشمال، بينما كانت العمليات الممتدة بين البصرة والناصرية والكوت وبغداد تعتمد بصورة كبيرة على طرق المياه وخطوط المواصلات والإمداد.
وتعتبر معركة باهيزة رقما صعبا في ذاكرة الجيوش الانكليزية الزاحفة بجيوشها الهندية والايرلندية والاسترالية والانكليزية من البصرة صعوداً إلي بغداد وليتوقف طويلا زحفها عند البطيحة في معركة باهيزة وليكتب ضباط الحملة الكثير عن هذه المدينة التي كانت بالنسبة لهم خط المواصلات الرابط بين الكوت والبصرة وبغداد ، وربما اثر هذا التوقف الطويل في سير العمليات في هزيمة «الجنرال البريطاني تشارلز تاونسند» في معركة الكوت أمام جيوش الترك بقيادة الفريق خليل باشا والقبائل التي تساعده كقبيلة قريش الكوت وليخضع هو وجيوشه إلي حصار طويل انتهي باستسلامه وأخذهُ أسيراً إلي بغداد ومن ثم إلي الأستانة.
ضمن هذا السياق جاءت مقاومة عشائر المنتفك في المنطقة الواقعة حول الناصرية والغراف، وبرزت عشائر آل أزيرج بقيادة الشيخ ذرب آل خضير في التصدي للتحركات البريطانية، إلى جانب عشائر أخرى من المنطقة.
وشارك من فروع آل أزيرج في تلك المواجهات رجال من البوخضير والبوحميرة وآل محمود والسهلان، وكان وجودهم جزءًا أساسيًا من المعركة التي بقيت حاضرة في ذاكرة العشيرة.
لم تكن المواجهة بين قوتين متكافئتين؛ فالجيش البريطاني امتلك التنظيم والمدفعية والتسليح الحديث، بينما قاتلت العشائر بما لديها من رجال وسلاح ومعرفة دقيقة بالأرض والأنهار والممرات.
لكن أثر المقاومة لم يكن يقاس بعدد البنادق وحدها؛ ففي حرب تقوم على خطوط الإمداد الطويلة، كان تعطيل الطريق والمواصلات والعبور بحد ذاته فعلًا عسكريًا مؤثرًا.
♦️ «رجال باهيزة وهوساتها»
ولم تحفظ الذاكرة الشعبية اسم الشيخ ذرب وحده، بل تناقلت أسماء رجال وشيوخ وشعراء من آل أزيرج شاركوا في المواجهة، وحفظت لهم هوسات تحولت إلى سجل شفوي للمعركة.
ومن أبرز الأسماء التي تتردد في الروايات المحلية الشيخ عليوي آل مطشر، والشيخ كوني آل عكال، والشيخ محمد آل فليح وأخوه حسن آل فليح من آل محمود، والشيخ عفراوي العبيدات من البوحميرة، وباهض آل محمد، والشاعر روصان آل منسي، إلى جانب عدد كبير من رجال آل أزيرج الذين حفظت العشيرة أسماءهم ومواقفهم.
وكانت الهوسة الأم:
«شرناها وعيت باهيزة»
وتوالدت منها هوسات أخرى تحفظها الرواية الشعبية، منها:
«شرناها وگالت ما يعبر»
و:
«شرناها وگالت يا ويله»
وهنا تظهر خصوصية الهوسة العراقية؛ فهي لم تكن شعرًا للترفيه، بل وسيلة تعبئة وإعلان موقف وتثبيت للشجاعة في الذاكرة الجماعية. وقد تستطيع جملة واحدة منها أن تحفظ رجلًا ومعركة ومكانًا بعد أن تضيع صفحات ووثائق كاملة.
♦️ «بعد باهيزة… العقاب البريطاني»
لم تنتهِ حكاية الشيخ ذرب وآل أزيرج بانتهاء المعركة.
فبعد أن استطاعت القوات البريطانية إحكام سيطرتها التدريجية على المنطقة، بدأت مرحلة العقاب ومحاولة كسر قوة العشيرة التي عرقلت تقدمها وحركة إمداداتها.
وبحسب الروايات المتداولة عن تلك المرحلة، فرضت الإدارة العسكرية البريطانية على الشيخ وعشيرته غرامات حرب ثقيلة شملت:
1500 رأس من الغنم، و100 بندقية، و1500 روبية.
كما اعتُقل الشيخ ذرب مع عدد من وجهاء ورؤساء آل أزيرج، وسيقوا إلى محاكمة عسكرية على خلفية قيادة المقاومة والعمليات التي استهدفت تقدم القوات البريطانية.
وكان الحكم بالغ القسوة:
«الإعدام».
لكن الحكم أثار ردود فعل عشائرية واسعة، فتحرك عدد من شيوخ ووجهاء المنتفك، واستُخدم ثقلهم الاجتماعي والعشائري لدى الإدارة البريطانية للمطالبة بإلغائه.
وفي النهاية خُفف حكم الإعدام بحق الشيخ ذرب، واستُبدل بـ النفي والإبعاد إلى لواء العمارة.
♦️ «ست سنوات في العمارة»
أمضى الشيخ ذرب في العمارة نحو ست سنوات.
ولم تكن سنوات النفي نهاية حضوره؛ فالعمارة نفسها كانت تضم امتدادًا عشائريًا مهمًا لآل أزيرج، كما بقيت مناطق دجلة وجنوب العراق خلال تلك المرحلة ساحة توتر ومقاومة ومتابعة مستمرة من الإدارة البريطانية.
وحين عاد الشيخ ذرب إلى دياره بعد سنوات النفي، كان العراق قد مر بواحدة من أهم محطاته الوطنية: ثورة العشرين.
غير أن العودة لم تكن عودة شيخ قرر الاعتزال.
فقد واصل، بحسب الرواية المحلية المتوارثة، موقفه المناهض للوجود البريطاني، وشارك مجددًا في نشاط المقاومة والتحركات الرافضة للاحتلال، وارتبط اسمه لاحقًا بالمقاومة في منطقة الخميسية وغيرها من مناطق جنوب الناصرية.
وبذلك امتدت سيرته من مقاومة سنة 1916، إلى المحاكمة وحكم الإعدام والنفي، ثم العودة إلى النضال في السنوات التي أعقبت ثورة العشرين، وظل اسمه حاضرًا في ذاكرة آل أزيرج والمنتفك حتى وفاته سنة 1929م.
حين تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة
ربما لهذا السبب عاشت:
«شرناها وعيت باهيزة»
فالناس قد ينسون أرقام القطعات العسكرية وأسماء الضباط وتفاصيل الخرائط، لكنهم لا ينسون تلك الصورة:
قائد بريطاني يطلب لقاء صاحبة القرار.
وشيخ عراقي يقوده بنفسه إليها.
ثم يصل الرجل ومعه مترجمه وجنوده، فيكتشف أن صاحبة القرار التي جاء ليستأذنها ليست رجلًا ولا امرأة ولا شيخ عشيرة…
إنها النهر.
يقف الشيخ ذرب على ضفته، ويسأله أمامهم:
هل تسمحين لهم بالعبور؟
ثم يعود بالجواب:
«باهيزة رفضت».
تلك هي «عبقرية التراث الشعبي العراقي».
لقد جعل من النهر إنسانًا، ومن الأرض صاحبة رأي، ومن المقاومة حوارًا بين الإنسان ووطنه.
♦️ «باهيزة رمز المقاومة» في الوثائق البريطانية
لم تكن الذاكرة الشعبية وحدها هي التي حفظت صورة آل أزيرج ومقاومتهم؛ فقد ورد اسم العشيرة ومواقفها في المادة والتقارير البريطانية المتعلقة بجنوب العراق، وظهرت صورة العشائر المقاومة وما سببته للإدارة البريطانية من قلق وصعوبة في السيطرة على طرق الحركة والمواصلات.
ومن بين أهم من ارتبط اسمه بتوثيق تلك المرحلة «المس جيرترود بيل»، التي تركت تقارير ومراسلات واسعة عن العشائر والأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق، كما تناول «الباحث العراقي الدكتور عبد الجليل الطاهر» جانبًا مهمًا من الوثائق والتقارير البريطانية المتعلقة بالعشائر العراقية وترجم وحلل الكثير من مادتها.
وهنا يلتقي التاريخ المكتوب بالذاكرة الشفوية.
فالوثيقة البريطانية تسجل بلغتها عناد قبيلة ومقاومتها وصعوبة إخضاعها، بينما اختصر آل أزيرج الحكاية كلها بأربع كلمات حفظها الأبناء والأحفاد:
«شِرْناها… وعَيَّت باهيزة»
8 تشرين الاول / أكتوبر 2026















