حين أحبّ الحرفُ امرأةً تشبه القصيدة

د. غادة ناجي طنطاوي

ثمة نساء لا يدخلن حياة الرجال.. بل يقتحمن مناطقهم المحرّمة، حيث تختبئ أفكارهم التي لم يجرؤوا على البوح بها، وثمة رجال لا يمرّون في حياة النساء، بل يتركون فيها من الأسئلة ما يجعل النسيان مهمةً مستحيلة.

قصة غادة السمان وغسان كنفاني، واحدة من أكثر قصص الحب تعقيدًا، لاقت الكثير من الإنتقادات رغم إنتشارها..!! حب جمع بين شغف البدايات والكثير من المشاعر التي اختلطت بساحات الحرب وأرفف الكتب. وقد نثر غسان ألمه واشتياقه العميق، فكتب قائلًا؛ “أفتقدك ياجهنم.. يا سماء البحر.. أفتقدك إلى حد الجنون.”

حين أحبّها، لم يرَ فيها امرأةً جميلة فحسب، بل كان يرى وطنًا آخر لا يحتاج إلى خريطة. تشبه قصيدةً لا تقبل أن ينتهي معناها عند آخر سطر. امرأة لا تُجيد الوقوف في ظلّ أحد، ولا تقبل أن تكون تفصيلًا في سيرة رجل، مهما كان استثنائيًا، بعقلٍ حفر من الكلمات خنادق، ومن الروايات ذاكرةً تقاوم الموت.
قرأت في عينيه ما لم تجرؤ على كتابته؛ رجلًا يحمل وطنًا جريحًا في صدره، ويخبّئ خلف صلابته قلبًا يعرف كيف يرتجف أمام امرأة يحبها. حتى قالت؛ “هل صحيح أنهم كلهم تافهون أم أن غيابك فقط هو الذي يجعلهم يبدون هكذا..!!” فهل أحبته حقًا..؟؟

لكن غادة لم تتركنا دون إشارات إلى مشاعرها نحوه؛ فقد كتبت عنه _في مقدمة كتابها (رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان)_ وصفًا إنسانيًا بالغ الرقة، ومن أشهر ما قالت عنه: “نعم، كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، وكان له وجه طفل وجسد عجوز، عينان من عسل، وغمازة طفل”.
لم يكن الصوت بينهم مجرد فراغ صوتي، انه مسافة وجودية على ضفة الإفصاح والكتمان، و يلوذ هو بفلسفة الصمت والتعبير.
فليس كل حبٍّ كُتب له أن يعيش طويلًا، بعض الحب يولد ليصبح أدبًا، وبعض الرجال يرحلون، لكنهم يتركون في ذاكرة امرأةٍ حكايةً لا تشيخ.

وفي نهاية الحكاية، أظن أن أجمل ما يمكن أن يحدث بين كاتبين هو أن يعجز أحدهما عن الكتابة حين يتعلّق الأمر بالآخر؛ أن تصبح اللغة، بكل اتساعها، ضيّقة أمام مشاعر لا تجد لها مفردات.
ربما لم تكن الحكاية بحاجة إلى نهاية سعيدة، فبعض الحكايات تفقد جمالها حين نحاول إغلاقها بإجابة. وربما كان أجمل ما يمكن أن نمنحه لغسان وغادة هو أن نتركهما في تلك المساحة التي لا تحكمها الوقائع، ولا تفسدها النهايات.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24