لله درك يا أرض الرافدين

د. سمير خليل الخفاف

تقوم أطروحة «العراق دولة وستفالية بلا مجتمع وستفالي» على مفارقة أساسية: فالعراق يمتلك حدوداً سياسية ومؤسسات شبه سيادية بعيدة عن الدولة الحديثة، ولم ينجح بصورة كاملة في إنتاج مجتمع سياسي موحّد يضع الانتماء الوطني فوق الولاءات الجزئية .

أولاً: نقد التفسير الوستفالي
يُستخدم مفهوم «الدولة الوستفالية» عادة للدلالة على السيادة، بوحدة الإرض والمجتمع، وعدم التدخل الخارجي، واحتكار الدولة للعنف المشروع للحفاظ على الامن الوطني. لكن إسقاط هذا النموذج بصورة مباشرة على العراق قد يكون تبسيطاً تاريخياً؛ فحتى الدول الأوروبية التي يُنسب إليها النموذج الوستفالي لم تُبنَ دفعة واحدة على أساس مجتمع وطني متجانس، بل تشكلت عبر صراعات طويلة بين الملكية والكنيسة والنبلاء والمدن والجماعات المحلية.
لذلك، لم تكن المشكلة في العراق أن الحدود سبقت المجتمع فحسب، بل إن الدول الاستعمارية الحديثة فرضت إطاراً إقليمياً جديداً على جماعات تاريخية متباينة، من دون أن تنجح في بناء عقد سياسي شامل يربط بينها وكان المبدأ “سياسة فرق تسد”. فالحدود وحدها لا تصنع الأمة، كما أن التعدد لا يمنع قيام الدولة؛ العامل الحاسم هو وجود مؤسسات عادلة قادرة على تحويل التعدد إلى مواطنة سياسية وهذا ما نفتقده في العراق يومنا هذا.

ثانياً: هل يوجد مجتمع عراقي؟
عبارة «بلا مجتمع وستفالي» قد توحي هذه العبارة بأن العراق يخلو من أي رابطة اجتماعية مشتركة، وهذا غير دقيق. فقد تشكلت في العراق خبرات تاريخية وثقافية ولغوية وحضرية مشتركة، كما نشأت ذاكرة وطنية ومصالح اقتصادية ورموز سياسية جامعة. المشكلة ليست غياب المجتمع العراقي، بل ضعف تحوله إلى «مجتمع سياسي» متكامل.
فالمجتمع السياسي لا يعني إلغاء الطوائف والقوميات والعشائر، بل يعني أن تصبح هذه الانتماءات خاضعة لإطار دستوري ومؤسسي يضمن المساواة والعدالة. حين تفشل الدولة في تحقيق ذلك، تتحول الهوية الوطنية إلى هوية خطابية، بينما تصبح الطائفة أو العشيرة أو الحزب مصدر الحماية والتمثيل والخدمات كما هو الحال في عراق اليوم.

ثالثاً: تداخل الولاءات وأزمة السيادة
وتجاوز المرجعيات الدينية والعشائرية والعرقية حدود الدولة في هذا الزمن بالعراق، المشكلة لا تكمن في وجودها بحد ذاته. الأزمة تبدأ عندما تعجز الدولة عن تنظيم هذه الولاءات أو عندما تستخدمها النخب السياسية لتوزيع السلطة والموارد وهذا الوضع الحالي بالعراق.
ومن هنا تصبح السيادة العراقية مزدوجة الهشاشة: فهي مهددة من الخارج بالتدخلات الإقليمية والدولية، ومجزأة من الداخل بسبب تعدد مراكز القوة. لذلك لا يمكن فهم أزمة السيادة بوصفها نتيجة للتدخل الأجنبي فقط؛ فالتدخل يجد فرصته عادة في ضعف المؤسسات وانقسام النخب وغياب التوافق على قواعد اللعبة السياسية.

رابعاً: الدولة التي بُنيت بالقوة
تاريخ العراق الحديث يكشف أن الدولة اعتمدت مراراً على الجيش والأجهزة الأمنية لضبط المجتمع. غير أن القوة قد تفرض النظام، لكنها لا تنتج الشرعية. الدولة التي تستند إلى الإكراه من دون رضا سياسي تظل دولة هشة؛ لأنها تحتاج دائماً إلى مزيد من العنف كي تحافظ على تماسكها.
وهنا يظهر الفرق بين “تماسك الدولة” و”استقرار الدولة”. قد تبدو الدولة متماسكة عندما تخضع المناطق والناس للسلطة المركزية، لكنها تكون غير مستقرة إذا كان هذا الخضوع قائماً على الخوف لا على الثقة. لذلك فإن سقوط النظام السلطوي لا يعني بالضرورة سقوط الدولة، لكنه يكشف مقدار ضعف المؤسسات التي كانت مختبئة خلف القوة.

خامساً: الغزو الأمريكي وانتهاك السيادة
يمثل الغزو الأمريكي للعراق نقطة تحول كبرى في تفكيك مفهوم السيادة في المنطقة. فقد جرى تجاوز مبدأ عدم استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة، إلا أن رعونة جورج بوش الابن وحقد اخوة يوسف والخونه الذين وقعوا على وثيقة احتلال العراق في مؤتمر لندن ادى إلى تدمير العراق.

العناصر الأساسية لعقد اجتماعي شامل هي:
– المواطنة المتساوية: الحقوق والواجبات لا تتحدد بالطائفة أو القومية أو العشيرة.
– دستور توافقي: يضمن الحريات، ويفصل السلطات، ويحدد شكل الدولة وصلاحياتها.
– سيادة القانون: خضوع الحاكم والمحكوم للقانون، واستقلال القضاء.
– توزيع عادل للسلطة والثروة: منع التهميش والاحتكار وضمان تكافؤ الفرص.
– حماية التعددية: الاعتراف بالتنوع الديني والقومي والثقافي ضمن دولة واحدة.
– احتكار الدولة للسلاح: إنهاء مراكز القوة المسلحة خارج المؤسسات الرسمية.
– المشاركة السياسية: انتخابات وتمثيل حقيقي ومحاسبة للسلطة.
– ضمان الحريات والحقوق الأساسية: حرية التعبير، والاعتقاد، والتنظيم، والأمان الشخصي.
– آليات سلمية لحل النزاعات: الحوار، والقضاء، والوساطة الدستورية بدلاً من العنف.
– ذاكرة وطنية ومصالحة: الاعتراف بالمظالم ومعالجتها دون تحويلها إلى صراع دائم.
العقد الاجتماعي الشامل هو اتفاق يجعل الدولة ملكاً لجميع المواطنين، لا أداةً لهيمنة جماعة على بقية الجماعات وهذا ما هو قائم حاليا في العراق.

٢٠٢٦/١٠/٢

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24